في عصر يتداخل فيه الواقع مع العالم الرقمي، أصبح الإنترنت أكثر من مجرد أداة للمعرفة والتواصل، حيث تحول إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية مما أدى إلى شعور بعض الأفراد بالضياع عند انقطاع الاتصال، ويعتبر الانجذاب المستمر للبقاء متصلًا ظاهرة تتجاوز مجرد الترفيه، إذ تؤثر على الدماغ بطرق مشابهة للإدمان على المواد المخدرة مما يستدعي النظر في آثارها على الصحة النفسية والسلوكية.
حسب تقرير نشره موقع Everyday Health، فإن ما يعرف بـ«إدمان الإنترنت» لا يُصنف كاضطراب نفسي معترف به في التصنيفات الطبية مثل DSM-5، لكنه يثير قلقًا متزايدًا في الأوساط العلمية، حيث يلاحظ الأطباء أن هذا السلوك يحمل سمات الإدمان التقليدي مثل فقدان السيطرة والانشغال الذهني وعدم القدرة على التوقف رغم العواقب السلبية.
1. كيف يبدأ التعلق؟
يبدأ التعلق غالبًا بدافع الفضول أو التسلية، مثل الألعاب الإلكترونية أو متابعة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتحول البحث السريع إلى ساعات من التصفح، وفي كل مرة يتفاعل المستخدم مع الشاشة، يفرز الدماغ هرمون الدوبامين الذي يعزز الشعور بالمكافأة، ومع تكرار هذه التجربة، يصبح الدماغ معتمدًا على هذا التحفيز السريع، مما يؤدي إلى طلبه المستمر كما يحدث مع المدخنين.
ومع مرور الوقت، يتحول هذا النمط إلى حلقة مغلقة، حيث يشعر المستخدم بالملل أو القلق، فيلجأ إلى الإنترنت للراحة، لكن الاستخدام المفرط يزيد من عزلة الشخص مما يؤدي إلى ارتفاع القلق مجددًا، وهكذا تستمر الدائرة.
2. إشارات التحذير التي يتجاهلها كثيرون
قد لا يدرك الشخص أنه تجاوز الخط الفاصل بين الاستخدام الطبيعي والإدمان، لكن الجسد والعقل يرسلان إشارات واضحة، ومن بين العلامات الأكثر شيوعًا:
ـ فقدان الإحساس بالوقت أثناء التصفح
ـ السهر المتكرر واضطراب النوم
ـ تراجع الأداء في الدراسة أو العمل
ـ العزلة الاجتماعية والانسحاب من اللقاءات الواقعية
ـ القلق أو التوتر عند الابتعاد عن الأجهزة
ـ محاولات فاشلة لتقليل الوقت أمام الشاشة، وتشير الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط للإنترنت قد يؤدي إلى آثار جسدية مثل آلام الظهر والرقبة والصداع وجفاف العينين وزيادة الوزن نتيجة قلة الحركة، كما لوحظت تأثيرات نفسية تشمل الاكتئاب وضعف التركيز وتقلبات المزاج.
3. من المبالغة إلى الاضطراب
الحد الفاصل بين الاستخدام المكثف والإدمان لا يعتمد فقط على عدد الساعات، بل على مدى تأثيره في حياة الفرد، فعندما يفضل الشخص العالم الافتراضي على التفاعلات الحقيقية أو يصبح الإنترنت وسيلة للهروب من الواقع بدلاً من خدمته، يتحول الأمر إلى اضطراب سلوكي يستدعي الانتباه، ويرى الأطباء النفسيون أن «إدمان الإنترنت» يشترك في آلياته العصبية مع اضطرابات التحكم في الاندفاع، ويُحفز بنفس الطريقة التي تعمل بها المقامرة الإلكترونية، حيث يعتمد على المكافأة غير المتوقعة التي تجعل الدماغ يتطلع للتفاعل المقبل بشغف مستمر.
4. الفئات الأكثر عرضة
رغم أن الظاهرة تشمل جميع الأعمار، فإن المراهقين والشباب هم الأكثر تأثرًا، حيث يمثل الإنترنت بالنسبة لهم بيئة للتعبير والقبول والانتماء، ومع غياب الحدود الرقمية أو إشراف الأهل، تتسع الفجوة بين العالم الواقعي والافتراضي، كما أن الأشخاص الذين يعانون من القلق الاجتماعي أو الوحدة أو اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط قد يكونون أكثر ميلاً لتطوير سلوكيات إدمانية رقمية، لأن الإنترنت يمنحهم شعورًا مؤقتًا بالسيطرة أو الراحة.
5. عندما يصبح الانقطاع مؤلمًا.. أعراض الانسحاب
الحرمان المفاجئ من الإنترنت قد يؤدي إلى ما يعرف بـ”أعراض الانسحاب الرقمي”، وتشمل القلق والغضب والأرق وحتى الاكتئاب المؤقت، وقد رُصدت حالات لأشخاص عانوا من أعراض ذهانية مؤقتة بعد توقفهم المفاجئ عن استخدام الألعاب الإلكترونية المكثفة، مما يوضح عمق التأثير العصبي لهذه العادة على الدماغ.
6. مفاتيح العلاج وإعادة التوازن
يهدف العلاج إلى إعادة التوازن وليس الحرمان التام، فالعصر الرقمي لا يمكن فصله عن حياتنا، لكن يمكن تعلم التفاعل معه بوعي، والأساليب العلاجية الأكثر فاعلية تشمل:
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يركز على إعادة بناء علاقة الفرد مع الإنترنت وكسر الحلقة بين التوتر والاستخدام القهري
- تحديد فترات استخدام صارمة مع إدخال أنشطة بديلة تُحفّز الدوبامين بشكل طبيعي مثل الرياضة والموسيقى والأنشطة الاجتماعية
- مساندة الأسرة التي تعتبر عاملًا أساسيًا في رصد السلوكيات وتوفير الدعم دون إصدار أحكام
وفي بعض الحالات، قد تُستخدم مضادات الاكتئاب لتخفيف الأعراض المصاحبة مثل القلق أو اضطراب المزاج تحت إشراف طبي.
7. وقاية رقمية: وعي قبل الإدمان
تبدأ الوقاية من إدراك الذات، حيث يمكن تعلم كيفية استخدام التقنية دون أن تُستخدم ضد الشخص، ويمكن وضع قواعد بسيطة مثل:
- إيقاف الإشعارات غير الضرورية
- تجنب تصفح الهاتف قبل النوم أو بعد الاستيقاظ مباشرة
- تخصيص “ساعات خالية من الأجهزة” في اليوم
- الانخراط في أنشطة واقعية تُعيد الارتباط بالعالم المادي، وكلما كانت العلاقة بالتقنية قائمة على الوعي وليس الاعتياد، زادت القدرة على السيطرة عليها بدلاً من الخضوع لها

