أفادت الدكتورة حنان بلخى، المديرة الإقليمية لشرق المتوسط بمنظمة الصحة العالمية، بأن إقليم شرق المتوسط لا يزال يعاني من تحديات إنسانية جسيمة في عام 2026، حيث يحتاج حوالي 115 مليون شخص إلى المساعدة، مما يعكس حجم الأعباء التي يواجهها الإقليم في ظل تزايد الاحتياجات الإنسانية وندرة التمويل اللازم لدعم هذه الجهود.

وأوضحت أن ما يقرب من نصف الاحتياجات الإنسانية العالمية تتركز في هذا الإقليم، بينما لم تتجاوز نسبة تمويل النداءات الصحية الطارئة التي أطلقتها المنظمة في عام 2025 نسبة 55%، مما يزيد من الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة، ويؤدي إلى استمرار فقدان الأرواح، حيث تتفاعل النزاعات والنزوح الجماعي وفاشيات الأمراض والصدمات المناخية مع النظم الصحية الهشة مما يضعها تحت ضغوط تفوق طاقتها.

تستجيب المنظمة حاليًا لـ 15 طارئة صحية مصنفة، وتمثل هذه الطوارئ ثلث جميع الطوارئ المُصنَّفة على مستوى العالم، وتشمل أزمات حادة في السودان وغزة، بالإضافة إلى حالات طوارئ طويلة الأمد تعاني نقصًا مزمنًا في التمويل في اليمن والصومال وأفغانستان، حيث تواصل الأمراض القابلة للتجنب حصد الأرواح على نطاق واسع.

استجابة لـ 62 فاشية

في عام 2025، استجابت المنظمة لـ 62 فاشية أمراض في 19 من أصل 22 بلدًا وأرضًا في الإقليم، حيث تشمل الأمراض الكوليرا وحمى الضنك والحصبة وجدري القرد وفيروس شلل الأطفال الدائر المشتق من اللقاحات، وذلك من خلال دعم الاكتشاف المبكر والتحقق، ونشر فرق الاستجابة السريعة، وتعزيز قدرات الترصُّد والمختبرات، وتنسيق الإجراءات الوطنية والإجراءات التي يقودها الشركاء، وتعد هذه الأمراض قابلة للوقاية أو العلاج في البيئات المستقرة، لكنها تنتشر بسرعة في الأوضاع الهشة والمتأثرة بالنزاعات مما يثقل كاهل المرافق الصحية ويؤثر بشكل كبير على الفئات الأكثر فقرًا وضعفًا.

تتعرض مرافق الرعاية الصحية نفسها للهجوم، حيث توثق المنظمة بانتظام ما يُشَن من هجمات على هذه المرافق في حالات الطوارئ الإنسانية، وتدعو إلى حماية الخدمات الصحية من العنف والتعطيل، وفي عام 2025، شهد إقليم شرق المتوسط 41% من جميع الهجمات التي وقعت في العالم على مرافق الرعاية الصحية، حيث تسجل أكثر من 90% من الوفيات الناجمة عن هذه الهجمات، ويتصدر السودان بلدان العالم من حيث عدد الوفيات في صفوف العاملين الصحيين والمرضى.

بلغ النزوح مستويات لم يسبق لها مثيل

بلغ النزوح مستويات لم يسبق لها مثيل، حيث يستضيف الإقليم ثلاثًا من أكبر أزمات النزوح في العالم: في السودان وسوريا وأفغانستان، ويشهد السودان أكبر أزمة نزوح قسري على مستوى العالم، ويستضيف إقليم شرق المتوسط عمومًا ما يقرب من نصف النازحين داخليًا على مستوى العالم، ويظل أكبر مصدِّر للاجئين في العالم، مما يفرض ضغطًا هائلًا على النظم الصحية التي تكافح لتلبية الاحتياجات الأساسية

على الرغم من هذه القيود، تواصل المنظمة تقديم الخدمات حيثما أمكن، ففي السودان، وبعد أكثر من 1000 يوم من النزاع، وفي خضم الفاشيات المستمرة للكوليرا وحمى الضنك والملاريا، تدعم المنظمة الخدمات الصحية الأساسية وترصُّد الأمراض والاستجابة للفاشيات، وقد أسفرت هذه الجهود منذ بداية النزاع عن علاج 3 ملايين و300 ألف مريض وأكثر من 112 ألف طفل يعاني سوء التغذية الحاد الوخيم المصحوب بمضاعفات طبية، بالإضافة إلى تطعيم الملايين ضد الكوليرا والملاريا والحصبة الألمانية وشلل الأطفال، وإيصال 3378 طنًّا متريًّا من الإمدادات الطبية والأدوية.

أما في غزة، فقد سمح وقف إطلاق النار للمنظمة ولشركائها بتوسيع نطاق العمليات واستعادة خطوط الإمداد وزيادة إتاحة خدمات الرعاية، حيث قدمت المنظمة الدعم لرعاية الإصابات الشديدة وتقديم خدمات الطوارئ وترصُّد الأمراض وإعادة توريد الأدوية والإمدادات الأساسية، ولكن لا تزال الإمدادات التي تدخل غزة أقل بكثير مما هو مطلوب، بما في ذلك المعدات الطبية الضرورية لعمل المرافق الصحية، وقد أفادت وزارة الصحة في منتصف شهر يناير بأن نصف جميع الأدوية الأساسية و65% من الأدوات الطبية التي تُستعمل مرة واحدة قد نفدت تمامًا من المخزون، مما يستدعي تلبية هذه الاحتياجات على وجه السرعة.

تستمر حالة الطوارئ في اليمن في الحصول على اهتمام أقل، لكنها لا تزال بنفس القدر من الأهمية والإلحاح، حيث يهدد الوضع الأمني الحالي في الشمال بحرمان ملايين الناس من المساعدات الإنسانية بما في ذلك الخدمات الصحية الطارئة، حيث يحصل على التطعيمات الكاملة في اليمن فقط 66% من الأطفال، مما يجعل الملايين عُرضة للأمراض القابلة للتجنب، مثل الحصبة وشلل الأطفال والدفتيريا، كما أن فاشية فيروس شلل الأطفال المتحور التي بدأت في عام 2021 أصابت أكثر من 450 طفلًا بالشلل، ولا يزال خطر استمرار الانتشار في ازدياد بسبب عدم إجراء حملات تطعيم جماعي في المحافظات الشمالية منذ عام 2022، حيث تواصل منظمة الصحة العالمية الحوار مع السلطات لتأمين الوصول المستدام لتنفيذ حملات التطعيم الجماعي.

خلال زيارتي الأخيرة لسوريا، كان التركيز على تعافي النظم الصحية والانتقال من الاستجابة للطوارئ إلى حلول أطول أمدًا، حيث تم اتخاذ خطوات نحو تقديم رعاية مُسنَدة بالبيِّنات تركز على الناس، وستنضم إلينا اليوم السيدة كريستينا ألبرتين، المديرة الإقليمية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، لتقديم انطباعاتها بشأن زيارتنا الأخيرة لسوريا وأولوياتنا الإقليمية المشتركة في إطار التحالف الصحي الإقليمي الذي يضم 18 وكالة تابعة للأمم المتحدة، ويقدم إطارًا عمليًا للعمل الجماعي في مجال الصحة.

تظل الحاجة ماسَّة إلى تنسيق العمل المشترك بين الوكالات في جميع حالات الطوارئ، حيث أوشكت منظمة الصحة العالمية على الانتهاء من ندائها الصحي الطارئ لعام 2026، الذي يحدد ما يلزم لاستدامة الخدمات الصحية المُنقذة للأرواح، كما يُظهر التكلفة الحقيقية للتقاعس عن اتخاذ الإجراءات اللازمة.

في الشهر المقبل، ستجتمع الدول الأعضاء في جنيف لحضور الدورة الـ 158 لمجلس المنظمة التنفيذي، لمناقشة قضايا الصحة العالمية الأكثر إلحاحًا، وسنكون هناك لتمثيل أصوات المتضررين بشدة من الأزمات، حيث نشجع الجميع على متابعة المداولات عبر الإنترنت والاستمرار في طرح أسئلة قوية على قادتهم، خاصة بشأن تمويل الصحة العالمية والتمويل الصحي في حالات الطوارئ.