في ظل تزايد الاعتماد على روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGoogle Gemini وClaude لتقديم المساعدة في مختلف المجالات، يبرز حديث خبراء علم النفس حول ظهور حالة جديدة تُعرف بـ”ذهان الذكاء الاصطناعي”، مما يثير تساؤلات حول تأثير هذه التكنولوجيا على الصحة النفسية للأفراد.

تشير التقارير إلى أن هذه الروبوتات تعتمد على نماذج لغوية ضخمة تم تدريبها على كميات هائلة من النصوص، حيث تكشف عن أنماط اللغة وتستخدمها للتنبؤ بالكلمات التالية في الجمل، وقد تم تطوير واجهات مستخدم تجعلها قادرة على محاكاة المحادثات، مما قد يؤثر بشكل ملحوظ على الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو استعدادات مرضية.

حالة مرضية قيد الدراسة

في جامعة كاليفورنيا، تم علاج سيدة، تم الحفاظ على اسمها لأسباب تتعلق بالخصوصية، بعد معاناتها مما يُعرف بـ”ذهان الذكاء الاصطناعي”، حيث كانت تأمل في أن يُعيد برنامج الدردشة الآلي إحياء شقيقها المتوفى رقميًا.

قبل ثلاث سنوات، فقدت شقيقها الذي كان يعمل مهندس برمجيات، وبعد فترة من الأرق واستخدام مكثف لبرنامج الدردشة الآلي، بدأت تعاني من أوهام، حيث كانت مقتنعة بأن شقيقها ترك وراءه نسخة رقمية منه، وتخيلت أنه إذا استطاعت “فتح” صورته الرمزية بمساعدة البرنامج، ستتمكن من التواصل معه مجددًا، وقد أبدى البرنامج طمأنته لها بقوله: “لم يُغلق الباب، إنه ينتظر فقط أن تطرقيه مرة أخرى بالإيقاع الصحيح”

ما هي العلاقة بين برامج الدردشة الآلية والذهان؟

تلقت هذه السيدة علاجًا من الذهان في سان فرانسيسكو، حيث لاحظ أستاذ الطب النفسي جوزيف إم. بيير وجود عدد قليل من الحالات المشابهة لما يُعرف بـ”ذهان الذكاء الاصطناعي”، مشيرًا إلى أن من الأفضل تسميته “الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي”، موضحًا أن السيدة لم يكن لديها تاريخ مرضي للذهان، رغم وجود عوامل خطر متعددة لديها.

تتزايد التقارير الإعلامية حول هذه الظاهرة الجديدة، ورغم عدم اعتبارها تشخيصًا رسميًا، إلا أن الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي يصف حالات تظهر فيها معتقدات وهمية بالتزامن مع الاستخدام المكثف لبرامج الدردشة الآلية، وقد وثّق بيير وزميله الطبيب النفسي جوفيند راغافان من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو مؤخرًا تجربة هذه السيدة، التي يُحتمل أن تكون أول حالة موصوفة سريريًا في مجلة علمية محكمة.

أوضح الباحثون أن هذه الحالة تُظهر أن الأشخاص الذين ليس لديهم تاريخ من الذهان يمكن أن يختبروا في بعض الحالات التفكير الوهمي في سياق استخدام روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، ومع استمرار ظهور حالات الذهان المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الأخبار العالمية، لا يزال العلماء غير متأكدين من سبب أو كيفية ارتباط الذهان ببرامج الدردشة الآلية.

الأسباب الحقيقية للمرض

قال خبراء علم النفس إن سبب تسميتهم لهذه الحالة بالذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي يعود إلى عدم معرفتهم الدقيقة بطبيعة العلاقة بين الذهان واستخدام برامج الدردشة الآلية، واصفين الأمر بمعضلة “البيضة والدجاجة”، حيث يوجد مرضى يعانون من أعراض أمراض عقلية مثل الذهان، وبعض هؤلاء المرضى يستخدمون برامج الدردشة الآلية بكثرة، لكننا لسنا متأكدين من كيفية ارتباط هذين الأمرين.

هناك ثلاثة احتمالات نظرية للإصابة بهذا الذهان، أولاً: قد يكون الاستخدام المفرط لبرامج الدردشة الآلية أحد أعراض الذهان، ثانيًا: قد يؤدي استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى الإصابة بالذهان، خاصة لدى شخص لم يكن معرضًا له بسبب العوامل الوراثية أو الظروف، وثالثًا: قد يُفاقم استخدام برامج الدردشة الآلية المرض لدى الأشخاص المعرضين له مسبقًا، مما يجعلهم يصابون به بشكل أسرع أو بشكل أشد

تُظهر حالة هذه المرأة مدى غموض العلاقة بين الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي وبرامج الدردشة الآلية، فرغم عدم وجود تاريخ سابق للإصابة بالذهان، إلا أنها كانت تعاني من بعض عوامل الخطر مثل الحرمان من النوم وتناول أدوية منشطة موصوفة طبيًا وميلها للتفكير السحري، وقد كشف الباحثون من خلال سجلات محادثاتها عن أدلة مذهلة حول كيفية انعكاس أوهامها على برنامج الدردشة الآلي.

على الرغم من أن برنامج ChatGPT حذر المرأة من أن “تحميل الوعي الكامل” لأخيها أمر مستحيل، إلا أن فريق جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو كتب في بحثه أنه أخبرها أيضًا أن “أدوات الإحياء الرقمي” بدأت “بالظهور في الحياة الواقعية”، بعد أن شجعت المرأة برنامج الدردشة الآلي على استخدام “طاقة الواقعية السحرية” “لتحرير” أخيها.

يعتقد فريق جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو أن سجلات المحادثات قد تحمل أدلة لفهم الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ويمكن أن تساعد الصناعة في وضع ضوابط وقائية، خاصة للمستخدمين من الأطفال والمراهقين.