تواجه النساء في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث تغيرات هرمونية تؤثر بشكل ملحوظ على جوانب متعددة من حياتهن اليومية، حيث تشمل هذه التغيرات تقلبات في المزاج والطاقة والنوم، مما يجعل فهم العلاقة بين هذه التغيرات ومستويات السكر في الدم أمرًا مهمًا للتعامل مع الأعراض بشكل أفضل خلال هذه الفترة.

تشير التقارير إلى أن اضطراب مستويات هرموني الإستروجين والبروجسترون خلال سنوات ما قبل انقطاع الطمث يجعل الجسم أكثر حساسية لتقلبات السكر في الدم، مما يفسر الشعور بالتعب وتقلب المزاج والرغبة المفاجئة في تناول الحلويات التي تعاني منها الكثير من النساء في هذه المرحلة.

كيف تغير الهرمونات طريقة تعامل الجسم مع السكر؟

خلال مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، يحدث انخفاض تدريجي في مستويات الإستروجين، بينما يتراجع مستوى البروجسترون بشكل أسرع، حيث يلعب الإستروجين دورًا مهمًا في الحفاظ على حساسية الأنسولين، مما يعني قدرة الجسم على إدخال الجلوكوز من الدم إلى الخلايا لإنتاج الطاقة، ومع تراجع مستويات هذا الهرمون، تقل استجابة الخلايا للأنسولين، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات السكر في الدم بعد الوجبات حتى عند تناول كميات معتدلة من الكربوهيدرات.

هذا الارتفاع في مستويات السكر لا يسبب فقط شعورًا مؤقتًا بالنشاط، بل يتبعه هبوط حاد يجعل المرأة تشعر بالإرهاق والرغبة الشديدة في تناول مزيد من السكريات، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من التقلبات المزاجية والتعب.

تأثير السكر على أعراض ما قبل انقطاع الطمث

إن تناول كميات كبيرة من السكر لا يزيد السعرات الحرارية فقط، بل يُفاقم أعراضًا هرمونية موجودة بالفعل، حيث ربطت دراسات عديدة بين ارتفاع مستويات السكر في الدم وزيادة نوبات الهبّات الساخنة التي تصيب النساء خلال هذه المرحلة، كما أظهرت الأبحاث أن النساء اللواتي يعانين من هذه الهبّات وتعرّق الليل بصورة متكررة يكنّ أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري في المستقبل.

كذلك، يؤدي عدم استقرار مستويات السكر في الدم إلى تقلبات حادة في المزاج، ونوبات من القلق أو العصبية المفاجئة، وهذه التقلّبات تشبه تمامًا ما تسببه التغيرات الهرمونية نفسها، مما يجعل من الصعب أحيانًا التفرقة بين السبب الغذائي والسبب الهرموني.

ومن الشكاوى الشائعة أيضًا التعب المزمن وتشوش التركيز، وهما عرضان يرتبطان بعدم قدرة الدماغ على الحصول على طاقته بصورة منتظمة، إذ يعتمد الدماغ أساسًا على سكر الجلوكوز كمصدر رئيسي للطاقة.

أما على مستوى الجسم، فإن تراكم الدهون في منطقة البطن يصبح أكثر وضوحًا في هذه المرحلة، ويزيد تناول السكر من هذا الأثر عن طريق تعزيز مقاومة الأنسولين ورفع الالتهابات الداخلية، كما أن الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات المصنعة قد ترفع من مستوى المواد الالتهابية في المفاصل، مما يزيد آلام الركبة والظهر التي تشكو منها بعض النساء.

ما الكمية المسموح بها من السكر يوميًا؟

توصي الهيئات الصحية حول العالم بتقليل السكر المضاف إلى أدنى حد ممكن، حيث يجب ألا يتجاوز استهلاك المرأة ستّ ملاعق صغيرة يوميًا، أي ما يعادل نحو 25 جرامًا من السكر، بينما تسمح الإرشادات الغذائية الأمريكية بنسبة تصل إلى 10% من إجمالي السعرات اليومية، أي حوالي 200 سعرة حرارية في نظام يحتوي على 2000 سعرة حرارية يوميًا.

أما منظمة الصحة العالمية فتشجّع على خفض استهلاك السكريات — سواء المضافة أو الطبيعية في العصائر والعسل — إلى أقل من 10% من السعرات اليومية، مع التأكيد على أن السكريات الموجودة طبيعيًا في الفاكهة والحليب لا تدخل في هذا الحد لأنها لا تسبب نفس التأثير السلبي.

استراتيجيات عملية لتقليل السكر دون حرمان

التقليل من السكر لا يعني التضحية بالمتعة، حيث يكمن المفتاح في الوعي الغذائي التدريجي، إذ يمكن البدء بقراءة الملصقات بعناية، فالكثير من الصلصات الجاهزة والحبوب المنكهة وحتى الزبادي بالفواكه تحتوي على سكريات مضافة تفوق الحاجة.

في الطهي المنزلي، يمكن استبدال نصف كمية السكر المطلوبة في الوصفات بالفواكه المهروسة مثل الموز أو التمر، مما يضيف حلاوة طبيعية وأليافًا تساعد على استقرار الجلوكوز.

كما يُنصح بتقليل الاعتماد على المشروبات السكرية تدريجيًا واستبدالها بالماء المنكّه بشرائح الفاكهة أو الشاي العشبي غير المحلّى، إضافة القرفة أو الفانيليا إلى القهوة تعطي مذاقًا دافئًا دون إضافة سكر.

أما في حالات الرغبة القوية في تناول الحلوى، يمكن اللجوء إلى بدائل طبيعية منخفضة السعرات مثل ستيفيا، وهما من المحليات النباتية التي لا ترفع مستوى السكر في الدم، ومع ذلك، يجب استخدامها لفترات قصيرة فقط، بهدف تدريب حاسة التذوق على تقبّل المذاق الأقل حلاوة تدريجيًا.

الجانب الصحي طويل المدى

استخدام المحليات الصناعية مثل الأسبارتام أو السكرالوز لا يزال موضوعًا قيد النقاش العلمي، حيث أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى ارتباط محتمل بين الإفراط في استخدامها وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، لذا يوصي الخبراء باستخدامها باعتدال فقط، كمرحلة انتقالية أثناء تقليل السكر الطبيعي، وليس كبديل دائم.

إن التوازن بين الهرمونات والسكريات هو ما يحدد مدى شعور المرأة بالعافية خلال هذه الفترة الانتقالية من حياتها، حيث يمكن أن يساعد إدارة النظام الغذائي بذكاء عبر تقليل السكريات المضافة وتفضيل الأطعمة الكاملة الغنية بالألياف في تخفيف اضطرابات ما قبل انقطاع الطمث، مما يمنح الجسم استقرارًا طاقيًا ومزاجيًا أفضل.