تتسارع جهود شركات الذكاء الاصطناعي عالميًا نحو تطوير أنظمة أكثر كفاءة وقدرة، مما يثير أسئلة حول كيفية تعامل المجتمعات مع تأثيراتها المستقبلية، وفي هذا السياق، أعلنت شركة Anthropic عن تأسيس معهد جديد يركز على دراسة التحديات الاجتماعية الناتجة عن تطور هذه التكنولوجيا.

المعهد يهدف إلى تحليل التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي على سوق العمل والمجتمع والاقتصاد، بالإضافة إلى دعم الحكومات والمؤسسات والأفراد في الاستعداد للتغيرات التي قد تطرأ نتيجة لهذه التقنية خلال السنوات القادمة.

تسارع كبير في تطور الذكاء الاصطناعي

تشير شركة Anthropic إلى أن وتيرة التطور في مجال الذكاء الاصطناعي قد تسارعت بشكل ملحوظ منذ تأسيسها قبل خمس سنوات، حيث استغرق الأمر عامين لإطلاق أول نموذج تجاري، لكن السنوات الثلاث التالية شهدت قفزات كبيرة في التقنيات.

الشركة تؤكد أن أنظمتها أصبحت قادرة على تنفيذ مهام مهنية معقدة، مثل تحليل المشكلات التقنية واكتشاف الثغرات الأمنية في أنظمة الأمن السيبراني، وهي مهام كانت تتطلب سابقًا خبرات بشرية متقدمة.

توقعات بقفزات أكبر خلال العامين المقبلين

ترى الشركة أن المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي قد تسير بوتيرة أسرع بكثير مما حدث في السنوات الماضية، وذلك بسبب ما وصفته بتأثير “التراكم التكنولوجي”، حيث يؤدي كل تقدم تقني إلى تسريع الاكتشافات والابتكارات التالية.

إذا استمر هذا الاتجاه، فقد يشهد العامان المقبلان قفزات هائلة في قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي، مما يطرح أسئلة جديدة أمام الحكومات والباحثين حول مستقبل الوظائف وتأثير التكنولوجيا على الاقتصاد العالمي والقيم التي يجب تضمينها في الأنظمة الذكية، بالإضافة إلى كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا على المستوى الدولي.

تحذيرات من اضطرابات محتملة في سوق العمل

في هذا السياق، حذر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي في النهاية إلى اضطرابات كبيرة في سوق العمل.

أمودي أشار إلى أن التحولات المحتملة في سوق الوظائف قد تكون “مؤلمة بشكل غير معتاد”، خاصة في المهن المكتبية المعروفة بالوظائف ذات الياقات البيضاء، والتي تشمل العديد من الوظائف الإدارية والمكتبية والتحليلية.

في مقال حديث تناول فيه المخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي المتقدم، كتب أمودي: “البشرية على وشك أن تحصل على قوة يصعب تخيلها، وليس من الواضح ما إذا كانت أنظمتنا الاجتماعية والسياسية والتكنولوجية ناضجة بما يكفي للتعامل مع هذه القوة”

العديد من الوظائف لا تزال بعيدة عن الأتمتة

رغم هذه المخاوف، تشير أبحاث حديثة أجرتها Anthropic إلى أن أجزاء كبيرة من سوق العمل لا تزال بعيدة نسبيًا عن الأتمتة الكاملة بواسطة الذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي.

الشركة قامت بتحليل الاستخدام الفعلي لروبوت الدردشة الخاص بها Claude لمعرفة كيفية استخدام المهنيين لأدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية، وأظهرت النتائج وجود فجوة كبيرة بين ما يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به نظريًا وما يتم استخدامه فعليًا على أرض الواقع.

فجوة بين القدرات النظرية والاستخدام الفعلي

تشير نتائج الدراسة إلى أن بعض المجالات مثل علوم الحاسوب والرياضيات قد تشهد إمكانية كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ نسبة كبيرة من المهام المرتبطة بها.

ومع ذلك، فإن بيانات الاستخدام الفعلية تظهر أن جزءًا صغيرًا فقط من هذه المهام يتم تنفيذه حاليًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي، مما يعكس أن اعتماد هذه الأدوات لا يزال في مراحله الأولى داخل العديد من القطاعات المهنية.

وظائف يصعب على الذكاء الاصطناعي استبدالها

كما أظهرت تحليلات الشركة أن العديد من المهن ما زالت صعبة الأتمتة بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي تعتمد على العمل البدني أو التفاعل المباشر مع العالم الحقيقي أو اتخاذ قرارات بشرية معقدة.

تشمل هذه القطاعات مجالات مثل الزراعة والبناء والنقل وخدمات الطعام وأعمال الصيانة والإصلاح، وتشير البيانات إلى أن هذه المهن حاليًا تواجه مستويات منخفضة للغاية من التعرض لتأثيرات الذكاء الاصطناعي.

تأثير تدريجي بدلًا من فقدان الوظائف فورًا

حتى في المجالات التي بدأ فيها استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر، مثل البرمجة وخدمة العملاء وإدخال البيانات، لا يوجد حتى الآن دليل واضح على أن التكنولوجيا تتسبب في فقدان واسع النطاق للوظائف.

بدلاً من ذلك، تشير الشركة إلى أن التأثير قد يظهر بشكل تدريجي من خلال تغييرات مثل تباطؤ عمليات التوظيف أو زيادة الاعتماد على الأتمتة في المهام المتكررة.

توسع في السياسات العامة والتعاون مع الحكومات

وفي إطار هذه المبادرة الجديدة، أوضحت الشركة أن معهد Anthropic سيوفر فرصًا لفريق صغير من الباحثين والمحللين للعمل على دراسة التأثيرات المستقبلية للذكاء الاصطناعي.

كما تخطط الشركة لتوسيع فريقها المختص بالسياسات العامة، إضافة إلى افتتاح أول مكتب لها في العاصمة الأمريكية واشنطن، في خطوة تهدف إلى تعزيز التعاون مع الحكومات وصناع القرار بشأن سياسات تنظيم الذكاء الاصطناعي وإدارته على المستوى العالمي.