تتجاوز قيمة الذهب مجالات صناعة الحلي والاستثمار، حيث يمتد استخدامه إلى الإلكترونيات والطب والفضاء والطاقة المتجددة وتكنولوجيا النانو، مما يبرز دوره المحوري في دعم التقنيات التي تشكل مستقبلنا، إذ إن قيمته الحقيقية اليوم تتجلى في مساهمته الفعالة في تطوير هذه المجالات.

تعود هذه القيمة التقنية إلى الخصائص الفريدة للذهب، فهو يتميز بمقاومته للتآكل وتوصيله الكهربائي، مما يجعله عنصرًا أساسيًا في التطبيقات المتقدمة.

أشار إسلام غانم، خبير تكنولوجيا المعلومات، إلى أن الذهب يعتبر معدنًا مهمًا في مجال التكنولوجيا والاتصالات، خاصة في صناعة العملات المشفرة مثل «بيتكوين»، حيث تتطلب هذه العملات حواسيب قوية واتصال دائم بالإنترنت لتعدينها، لذا تسعى الشركات إلى تبني أجهزة حاسوبية تحتوي على وحدات معالجة مصنوعة من الذهب.

وأضاف غانم أن الهواتف الذكية، وخاصة أيفون، تتضمن نسبة من الذهب، ما يدفع الشركة إلى إعادة تدوير هواتفها، حيث تنظم سياسات لاسترجاع واستبدال الإصدارات الأقدم، مما ينعكس على جودة الإشارة ومواد غير قابلة للتآكل.

أين يوجد الذهب فى هاتفك؟

وفقًا لموقع «garfieldrefining»، يوجد الذهب في الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر بشكل أساسي في لوحة الدوائر أو «اللوحة الأم»، وهي المحور المركزي الذي تتصل فيه جميع مكونات الجهاز وتتواصل فيما بينها.

يستخدم الذهب في موصلات الدوائر وشريحة الذاكرة داخل اللوحة الأم، وهي مناطق تتطلب مواد متينة لا تتآكل بمرور الوقت، وتحتوي أجهزة الكمبيوتر على «لوحات أم» أكبر من الهواتف، لذا تحتوي عادةً على كمية أكبر من الذهب، كما تحتوي أجهزة التلفاز والكاميرات القديمة وأجهزة الراديو ومشغلات الوسائط وأجهزة ألعاب الفيديو على الذهب أيضًا.

تحتوي هواتف آيفون من آبل عمومًا على كمية ذهب أكبر من الهواتف الذكية الأخرى، وتختلف الكمية الدقيقة باختلاف الطراز، ولكن يحتوي هاتف آيفون العادي على ما يقارب 0.034 جرام من الذهب و0.34 جرام من الفضة و0.015 جرام من البلاديوم وأقل من جزء من ألف من الجرام بلاتين.

خصائص الذهب الصناعية

كشف موقع «bulliongiant» أن هناك أربع خصائص مميزة وراء استخدام الذهب في مجال التكنولوجيا، وهي مقاومة التآكل، حيث لا يتأكسد الذهب ولا يتآكل، والطرق والسحب، حيث يمكن طرقه إلى صفائح رقيقة وسحبه إلى أسلاك دقيقة، وتشكيله إلى قضبان أو سبائك، والتوصيلية، حيث يعد موصلًا ممتازًا للكهرباء والحرارة، والانعكاسية، حيث يمتلك القدرة على عكس الأشعة تحت الحمراء، والتوافق الحيوي، حيث يعد الذهب غير سام ولا يتفاعل مع جسم الإنسان.

وفقًا لما ذكرته الدكتورة سارة نكوسى، عالمة المواد من جنوب أفريقيا، لم يعد الذهب مجرد رمز للثروة، بل هو العمود الفقري للتقدم التكنولوجي، من الأجهزة الطبية المنقذة للحياة إلى الأقمار الصناعية التي توجه مستقبلنا.

تعد خاصية التوافق الحيوي للذهب، أي قدرته على التفاعل بأمان مع جسم الإنسان، عاملًا أساسيًا في التكنولوجيا الطبية، حيث يستخدم في أجهزة التشخيص مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وفي الغرسات الطبية مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب.

تعمل شركات التكنولوجيا الحيوية على تطوير دعامات مطلية بالذهب تقاوم التآكل وتحسن نتائج جراحة القلب، كما تحدث جزيئات الذهب النانوية ثورة في علاج السرطان، حيث تستهدف الأورام بدقة متناهية، مما يغير قواعد اللعبة في مجال ابتكارات الرعاية الصحية.

يحدث الذهب أيضًا نقلة نوعية في الطب الحديث، فعلى سبيل المثال، تستخدم جزيئات الذهب النانوية في أنظمة توصيل الأدوية الموجهة، مما يسمح بعلاج أكثر دقة لأمراض مثل التهاب المفاصل الروماتويدي.

الذهب في الفضاء

تتألق خصائص الذهب العاكسة ومتانته في مجال الفضاء، فهو يغطي مكونات الأقمار الصناعية ودروع المركبات الفضائية، ويحميها من الإشعاع الشمسي ودرجات الحرارة القصوى، ويعتمد قطاع الفضاء على الأجهزة المطلية بالذهب لجمع البيانات بدقة عالية، حيث يستخدم كل إطلاق قمر صناعي حوالي 50 جرامًا من الذهب، وهي كمية صغيرة لكنها بالغة الأهمية.

الطاقة المتجددة

يلعب الذهب دورًا في مجال الطاقة النظيفة، حيث يستخدم في الألواح الشمسية، حيث تحسن طبقات الذهب الرقيقة التوصيل الكهربائي في الخلايا الكهروضوئية، مما يزيد من كفاءتها.

يعد هذا الأمر بالغ الأهمية في جنوب أفريقيا، حيث نما استخدام الطاقة الشمسية بنسبة 25% في عام 2024، كما يعد الذهب حيويًا في خلايا وقود الهيدروجين، التي تشغل المركبات الصديقة للبيئة، مع التوجه العالمي نحو التكنولوجيا الخضراء، يمثل دور الذهب في الطاقة المستدامة أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه.

تقنية النانو

تتجلى براعة الذهب في تقنية النانو، حيث تحفز جزيئات الذهب النانوية الابتكار، وتستخدم هذه الجزيئات في أجهزة استشعار عالية الدقة للكشف عن الملوثات، وهي بالغة الأهمية في التعدين والرصد البيئي، ويستخدم العلماء الذهب في الجيل القادم من تخزين البيانات في مختبرات الأبحاث، حيث يتم ضغط تيرابايت في رقائق متناهية الصغر، وقد تحدث هذه التقنية تحولًا جذريًا في الصناعات، موفرةً وظائف تتطلب مهارات عالية لسكان جنوب أفريقيا.

مع استمرار التوسع السريع للذكاء الاصطناعي، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الذهب والمعادن النفيسة الأخرى، حيث تعتمد الأجهزة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي على معالجات ومستشعرات ورقائق ذاكرة تستخدم الذهب لضمان أداء موثوق.

تعد الهواتف الذكية والسيارات ذاتية القيادة ومراكز البيانات الضخمة التي تشغل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية مثل ChatGPT أمثلة على القطاعات التي تزداد فيها الحاجة إلى مكونات مصنوعة من المعادن النفيسة.

كما يساعد الذهب أيضًا في البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس (5G)، حيث يتيح نقل البيانات بسرعة عالية مع الحد الأدنى من التداخل، ويسهم الدور المحوري للذهب في التكنولوجيا في ارتفاع قيمته بشكل كبير، إذ لا يتجاوز إنتاج المناجم العالمية 3000 طن سنويًا، بالإضافة إلى الطلب المتزايد من قطاعات التكنولوجيا، يؤدي إلى أزمة في العرض والطلب.

تعد موصلية الذهب الفائقة ومقاومته للتآكل عنصرين أساسيين في الإلكترونيات والأجهزة الطبية وأنظمة الطاقة المتجددة، حيث لا يوجد بديل مجد اقتصاديًا.

أظهر تقرير للأمم المتحدة أن العالم أنتج 62 مليون طن من النفايات الإلكترونية من أجهزة مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة القديمة في عام 2022، بزيادة قدرها 82% عن العقد السابق، ويقدر المنتدى الاقتصادي العالمي أننا سننتج حوالي 80 مليون طن من النفايات الإلكترونية سنويًا بحلول عام 2030.

تشير دراسة أجراها باحثون في الصين وهولندا إلى أن إعادة تدوير المعادن الأرضية النادرة من الهواتف المحمولة القديمة ومحركات الأقراص الصلبة والمحركات الكهربائية والتوربينات قد تلبى ما يصل إلى 40% من الطلب على هذه المعادن في الولايات المتحدة والصين وأوروبا بحلول عام 2050.

شهد الاهتمام باستخلاص المعادن الثمينة من الأجهزة الإلكترونية القديمة ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، ومع تزايد أهمية الاستدامة لدى المستهلكين، تكتسب المجوهرات المصنوعة من المعادن المعاد تدويرها وغيرها من المنتجات رواجًا متزايدًا.

وفقًا لموقع Business Insider، تحقق بعض الشركات الناشئة الصغيرة أرباحًا تصل إلى 85,000 دولار أمريكي يوميًا من إعادة تدوير لوحات الدوائر الإلكترونية، وعلى الصعيد العالمي، تقدر قيمة المعادن الثمينة الموجودة داخل لوحات الدوائر المهملة بما بين 55 و60 مليار دولار أمريكي.

تتبنى دار سك العملة الملكية البريطانية هذا التحول، إذ انتقلت من إنتاج العملات المعدنية إلى إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، ومع انخفاض استخدام النقد، وخاصة العملات المعدنية، لا سيما منذ جائحة كوفيد-19، اتجهت دار سك العملة إلى إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وتقوم الآن بتحويل المعادن المستخلصة إلى مجوهرات فاخرة، وقد بدأ مصنع استخلاص المعادن الثمينة التابع لها العمل بكامل طاقته الصيف الماضي.