كشفت دراسة حديثة صادرة عن البنك المركزي الأوروبي أن المخاوف المتعلقة بفقدان الوظائف نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي قد تكون مبكرة وغير مبررة حيث أظهرت النتائج أن الشركات التي تعتمد على هذه التقنية تميل إلى زيادة عدد موظفيها بدلاً من تقليصهم، إذ تزداد احتمالية توظيف الشركات التي تعتمد بشكل كثيف على الذكاء الاصطناعي بنحو 4%، كما تزداد احتمالية توظيف الشركات التي تستثمر في هذه التقنية بنحو 2% مقارنة بتلك التي لا تستثمر فيها على الإطلاق.
على الرغم من أن هذه الفروقات قد تبدو طفيفة، إلا أن النتائج تشير إلى أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي لا تتجه إلى الاستغناء عن العمال بل تستخدم هذه التقنية لتعزيز الإنتاجية مع توسيع نطاق القوى العاملة لديها، حيث أشار خبراء الاقتصاد في البنك المركزي الأوروبي إلى أن الاستثمار والاستخدام المكثف للذكاء الاصطناعي لا يؤديان حتى الآن إلى استبدال الوظائف، إذ تقوم بعض الشركات بتوظيف موظفين إضافيين في إطار سعيها لتطوير وتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على عمليات الإنتاج الحالية أو لأن هذه التقنية تساعدها على التوسع بشكل أسرع.
يمكن أن يُعزى جزء من هذا التفسير إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يزال في مراحله الأولى نسبياً، حيث أفاد ثلثا الشركات الأوروبية التي شملها الاستطلاع بأن موظفيها يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وأقل من الثلث أفاد باستثماره في هذه التقنية، ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، لا تظهر ديناميكيات القوى العاملة تغييرات جذرية، إذ لا تزال الشركات التي تخطط للاستثمار في الذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل تعتزم توظيف المزيد من العمال بدلاً من تسريحهم.
في الوقت نفسه، يتجه العمال الأمريكيون والبريطانيون بشكل متزايد إلى أسواق العمل الأوروبية، حيث يؤثر عدم استقرار سوق العمل في الولايات المتحدة على بعض العمال الذين يبحثون عن فرص عمل خارج البلاد، وقد شهدت الولايات المتحدة هجرة صافية شبه معدومة أو سلبية في عام 2025، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ نصف قرن على الأقل وفقاً لتقديرات معهد بروكينغز، ويتوقع الباحثون استمرار هذا الاتجاه حتى عام 2026.
في البرتغال، ارتفع عدد المقيمين الأمريكيين بأكثر من 500% منذ بدء الجائحة، وفقاً لوكالة الاندماج والهجرة واللجوء البرتغالية، وفي إسبانيا وهولندا، تضاعف عدد الأمريكيين تقريباً خلال العقد الماضي، بينما انتقل عدد أكبر من الأمريكيين إلى ألمانيا وإيرلندا العام الماضي مقارنة بالعكس، كما يقوم البريطانيون بحسابات مشابهة، حيث يتجه بعض الشباب العاملين بشكل متزايد إلى البحث عن فرص عمل خارج بلادهم في ظل اشتداد المنافسة في سوق العمل بالمملكة المتحدة.
يتوافد أصحاب الملايين إلى الوجهات الأوروبية، لكن تأثير الذكاء الاصطناعي على التوظيف على المدى الطويل لا يزال غير واضح، ولا تقتصر موجة الهجرة على المهنيين الشباب الباحثين عن عمل فحسب، بل يتزايد أيضاً انتقال الأفراد الأثرياء حاملين معهم رؤوس أموال قد تسهم في تعزيز نمو الوظائف في بلدانهم الجديدة، حيث أصبحت العديد من الدول الأوروبية مراكز جذب لهذا التدفق من الثروات، ومن بين أسرع وجهات المليونيرات نمواً في العالم: الجبل الأسود، ومالطا، وبولندا، بينما تشهد المملكة المتحدة والصين والهند أكبر عدد من هجرة المليونيرات
ومع ذلك، فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، لا تزال الصورة طويلة الأمد غير واضحة حتى في أوروبا، فقد أشار باحثون من البنك المركزي الأوروبي إلى دراسة أجريت عام 2025 تظهر أن 27% من الشركات الألمانية تتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى بعض عمليات تسريح العمال خلال السنوات الخمس المقبلة.

