تساؤلات عديدة تثار حول ذكاء جيل زد في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم حيث أظهرت تقارير حديثة أن بعض الجامعات بدأت في تعديل مناهجها الدراسية لتناسب قدرات هذا الجيل من خلال تبسيط المحتوى بدلاً من تعقيده مما يطرح تساؤلات حول تأثير التكنولوجيا على القدرات المعرفية للأجيال الجديدة وقدرتها على التعلم بفاعلية.

دراسة جديدة تناولت موضوع ذكاء الأجيال أعادت النقاش إلى الواجهة حيث تشير النتائج إلى أن جيل زد، الذي وُلد بين أواخر التسعينيات وأوائل العقد الثاني من الألفية، قد يكون أول جيل يحصل على درجات أقل في الاختبارات المعرفية الأساسية مقارنةً بآبائهم من جيل الألفية بما في ذلك مهارات الانتباه والذاكرة وحل المشكلات ومعدل الذكاء العام، هذا الجيل الذي يُفترض أن يقود الابتكار مستقبلاً يواجه صعوبات في قراءة نصوص بسيطة أو حل مسائل رياضية أساسية مما يثير القلق بشأن مستقبل النظام التعليمي.

ماذا تقول النتائج؟

النتائج جاءت في شهادة مكتوبة قدمها عالم الأعصاب والمربي الدكتور جاريد كوني هورفاث إلى لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأمريكي حيث أشار في شهادته إلى أن الجوانب الأساسية للتطور المعرفي مثل القراءة والكتابة والحساب والانتباه والتفكير النقدي قد استقرت أو تراجعت في العديد من الدول المتقدمة خلال العقدين الماضيين وعزا هذا التوجه إلى التوسع السريع وغير المنظم للتكنولوجيا الرقمية والتعليمية في الفصول الدراسية والتي غالبًا ما تُضعف مخرجات التعلم بدلًا من تعزيزها.

عندما يبدو التقدم وكأنه تراجع

التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والهواتف المحمولة قد غزت الفصول الدراسية ومع أن فوائدها واضحة فإن تأثيراتها الجانبية تستدعي الانتباه حيث تُسوَّق هذه التقنيات كإنجازات تعليمية لكنها تعيد تشكيل القدرات العقلية بطرق غير متوقعة، النقاش حول هذه القضية انتقل من المزاح على وسائل التواصل الاجتماعي إلى نقاش جاد حول السياسات التعليمية حيث يُعتبر الذكاء ليس فطريًا فقط بل يُصقل أيضًا من خلال حل المشكلات وتنمية القدرات العقلية.

الشاشات والسطحية: تراجع القراءة المتعمقة

القراءة التي كانت هواية مفضلة قد تراجعت بشكل ملحوظ حيث أظهرت بيانات من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أن الطلاب يقرأون للمتعة أقل من أي وقت مضى وفقًا لمؤسسة محو الأمية الوطنية فإن طفلًا واحدًا من بين كل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و18 عامًا يستمتع بالقراءة في أوقات فراغه ونادرًا ما يقرأ طفل واحد من بين كل خمسة أطفال يوميًا، كما انخفضت نسبة القراءة اليومية بين الطلاب الأكبر سنًا والبالغين بأكثر من 40% خلال العقدين الماضيين وفقًا لأبحاث أجرتها جامعة فلوريدا وكلية لندن الجامعية.

التأثير السلبي لهذا التراجع كان واضحًا خلال فترة إغلاق المدارس بسبب جائحة كوفيد-19 حيث وجدت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد أن طلاقة القراءة الشفوية لدى طلاب الصفين الثاني والثالث تراجعت بنحو 30% عن المستويات المتوقعة وكان الطلاب من المناطق ذات الدخل المنخفض هم الأكثر تضررًا، طلاقة القراءة تُعتبر مهارة أساسية حيث يتأثر فهم المواد الدراسية مثل الرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية بشكل كبير دونها.

دراسات جامعة هارفارد أضافت بُعدًا آخر للقلق حيث أظهرت اختلافات في المعالجة الصوتية، أي القدرة على فك رموز اللغة المكتوبة، في وقت مبكر يصل إلى 18 شهرًا قبل دخول الأطفال المدرسة بفترة طويلة، الأطفال الذين لا يحصلون على دعم القراءة المبكر يواجهون فجوات متزايدة في مهارات القراءة والكتابة مما يؤثر سلبًا على انتباههم وفهمهم ومهارات التفكير النقدي.

هذا التراجع له تداعيات هامة حيث أظهرت الأبحاث أن التصفح العشوائي للإنترنت وخاصة تصفح الأخبار السلبية يُعطّل الذاكرة العاملة ويُقلّل من الانضباط الذهني الذي تُعزّزه القراءة المتعمقة حيث يتعرض الدماغ باستمرار لمعلومات مجزأة ومقتطفات من الأخبار مما يقلل من قدرته على التركيز المتواصل.

التصفح السلبي: منهج القلق الذي لا يُدرَّس

التصفح السلبي في منتصف الليل ليس استثناءً حيث تُوفر الأخبار المتواصلة سيلًا لا ينقطع من السلبية مما يزيد من القلق ويُشتت الانتباه، الرغبة في التصفح أكثر ليست مجرد مُغيِّر للمزاج بل تُعتبر وسيلة لتدريب عقول الشباب على القراءة السطحية أو عدم القراءة على الإطلاق، هذا الاتجاه السلوكي المتزايد في المدارس يلاحظه معظم المعلمين الذين يرون أن الطلاب يُعانون من مشاكل في التركيز والصبر على النصوص الطويلة.

التحدي: تجاوز هذه المرحلة الانتقالية، لا إلقاء اللوم

التطور الناتج عن هذا التقاطع بين الأجيال ليس حتمية بل هو دعوة لتصميم بيئات تعليمية مدروسة تتضمن إعادة النظر في القراءة من خلال دمج ممارسات القراءة المتعمقة مع الإلمام الرقمي الذي يُعلّم الطلاب كيفية القراءة وليس فقط ما يجب عليهم قراءته، كما يُشدد على الاستخدام الواعي للشاشات من خلال وضع حدود صحية بحيث تُعزز التكنولوجيا عملية التعلم بدلًا من أن تحل محل الجهد الذهني.

المستقبل ليس نصًا مُبرمجًا

جيل الألفية يقف على مفترق طرق حيث تُوحي الأرقام والحجج بصورة قاتمة لكن من الواضح أن التعليم اليوم يجب أن يُعلّم الطلاب كيفية استيعاب المعرفة وفهمها والتأمل فيها مما يجعل الأمر خيارًا بدلاً من مجرد تبادل الاتهامات، هذا التغيير يُعتبر السردية الحقيقية لهذا الجيل حيث تظل الشاشات أداة وليست حاكمة ولا تختفي فيها القراءة والتفكير.