تتزايد تأثيرات الذكاء الاصطناعي على سوق العمل بشكل ملحوظ، حيث تسجل العديد من الشركات تسريحات جماعية تشمل آلاف الموظفين في مجالات البرمجة وتقنية المعلومات، ومع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي في كتابة الأكواد وأداء المهام الحاسوبية، تبرز المخاوف حول مستقبل الوظائف في القطاع التقني.

على الرغم من هذه المخاوف، ترى دانييلا أمودي، رئيسة شركة Anthropic، أن هناك مجالات قد تبقى أكثر أمانًا في ظل الأتمتة المتزايدة، وهي مجالات الإنسانيات.

الإنسانيات في مواجهة أتمتة البرمجة

مع تحول أجزاء متزايدة من تطوير البرمجيات إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، تعتقد أمودي أن التخصصات الإنسانية قد تصبح أكثر ارتباطًا بالمستقبل مما كانت عليه في السابق، وقد صرحت في مقابلة مع ABC News بأن دراسة الإنسانيات ستكون «أكثر أهمية من أي وقت مضى».

في المقابل، تواصل نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) تحقيق تقدم ملحوظ في مجال البرمجة، حيث تمكن نموذج Claude Opus 4.6 من تطوير مُترجم لغة C كامل بشكل مستقل خلال أسبوعين، مما يعكس القفزة النوعية في قدرات هذه الأنظمة.

هل انتهى عصر المبرمجين؟

هذا التطور السريع أثار مخاوف واسعة بين الخبراء من احتمال فقدان عدد كبير من الوظائف، حيث صرح رايان دال، مبتكر Node.js، بأن عصر كتابة البشر للكود قد يكون قد شارف على نهايته.

ومع أدوات مثل Claude Code القادرة على إنتاج برمجيات معقدة، بدأت الصورة التقليدية لمهنة البرمجة باعتبارها وظيفة مستقرة وآمنة تهتز بشكل ملحوظ.

“نحتاج أن نكون أكثر إنسانية”

في وقت تتفوق فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي في أداء المهام الحسابية وكتابة الأكواد وتنفيذ العمليات الآلية، ترى أمودي أن على البشر التركيز على ما يجعلهم مختلفين عن الآلة.

وقالت: «في عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي ذكيًا للغاية وقادرًا على إنجاز العديد من الأمور، فإن الأشياء التي تجعلنا بشرًا ستصبح أكثر أهمية بكثير»

وتشير إلى أن المحتوى الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي، والذي يصفه البعض بـ«فيض المحتوى الآلي»، بات يملأ الإنترنت، سواء في شكل مقاطع فيديو أو مقالات، ومع ذلك، تؤكد أن التفاعل الإنساني سيظل عنصرًا أساسيًا لا يمكن الاستغناء عنه، مضيفة: «في نهاية المطاف، لا يزال الناس يحبون التفاعل مع أشخاص حقيقيين»

التفكير النقدي مهارة المستقبل

ورغم دفاعها عن أهمية الإنسانيات، لم تقل أمودي إن المستقبل سيقتصر على هذه التخصصات وحدها، بل شددت على أن مهارة التفكير النقدي ستظل محورية في عالم يتغير بسرعة.

وأوضحت: «القدرة على امتلاك مهارات التفكير النقدي ستكون أكثر أهمية في المستقبل، وليس أقل»

أرقام تعزز المخاوف

الأرقام الصادرة عن كبرى شركات التكنولوجيا تعكس حجم التحول الجاري، حيث أعلنت شركات مثل Google وMicrosoft أن نحو 30% من كود الإنتاج لديها يتم توليده حاليًا بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

أما داخل Anthropic، فتشير التقارير إلى أن ما يقرب من 80% من الكود المستخدم في أداة Claude Code يُكتب بواسطة أنظمة ذكاء اصطناعي، بينما يركز البشر على المراجعة والمهام المعقدة.

تهديد يتجاوز المبرمجين

ولا يقتصر القلق على المبرمجين وحدهم، فقد أثار إطلاق أداة Claude Cowork من Anthropic تقلبات في سوق الأسهم قبل أسابيع، مع مخاوف من إمكانية استبدال شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) مثل Tata Consultancy Services وInfosys بأنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة.

كما صرح مصطفى سليمان، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في Microsoft، مؤخرًا بأن الذكاء الاصطناعي قد يتولى مستقبلًا جميع وظائف الياقات البيضاء.

مستقبل العمل بين التقنية والإنسانية

في ظل هذا التحول العميق، يبدو أن مستقبل سوق العمل لن يكون مجرد سباق تقني، بل اختبارًا لقدرة البشر على التكيّف وتعزيز مهاراتهم الإنسانية والفكرية، فبينما تواصل الآلات تحسين أدائها في المهام التقنية، قد يصبح ما يميز الإنسان، من تعاطف وتفكير نقدي وإبداع، هو العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة.