في عالم لا تتجاوز فيه أعمار معظم الكائنات الحية عقودًا محدودة، تقف السلحفاة العملاقة «جوناثان» شاهدًا استثنائيًا على قدرة بعض الكائنات على مواصلة الحياة لفترات تتجاوز المألوف، فالعمر المقدر لهذا الحيوان يقترب من 194 عامًا، فيما يرجح أحد الباحثين أن يكون قد تجاوز حاجز القرنين، في ظاهرة دفعت العلماء إلى البحث عن أسرارها داخل خلاياه وجيناته.

وكشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت في دورية Science Advances، عن مؤشرات وراثية قد تفسر جانبًا من قدرة جوناثان على مقاومة التدهور المرتبط بالشيخوخة، ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على عالم الحيوان، إذ يأمل الباحثون أن تسهم في تمهيد الطريق أمام دراسات مستقبلية تستهدف إبطاء بعض مظاهر الشيخوخة لدى الإنسان.
194 عامًا من الحياة.. وسؤال لا يزال بلا إجابة
ينتمي جوناثان إلى السلاحف العملاقة المعروفة باسم سلاحف ألدابرا، التي يعود موطنها الأصلي إلى جزر سيشل في المحيط الهندي، لكنه أمضى القسم الأكبر من حياته في جزيرة سانت هيلينا بالمحيط الأطلسي، حيث أصبح واحدًا من أبرز معالمها السياحية وأكثرها شهرة.
وعلى الرغم من أن السلاحف العملاقة معروفة بقدرتها على العيش لأكثر من مئة عام، فإن عمر جوناثان يجعله حالة استثنائية حتى بين أفراد فصيلته، ومع ذلك لا يمتلك العلماء سجلًا دقيقًا لتاريخ ميلاده، وإنما يستند تقديرهم لعمره إلى شواهد تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر.
ففي عام 1882، ظهرت صورة لجوناثان عند وصوله إلى سانت هيلينا، وكان قد بلغ حينها حجمًا يُرجح أنه يشير إلى وصوله إلى مرحلة البلوغ الكامل، وبما أن هذه السلاحف تحتاج عادة إلى نحو خمسين عامًا للوصول إلى ذلك الحجم، استخدم الباحثون هذه المعلومة لتقدير عمره الحالي.
وفي عام 2022، اختير الرابع من ديسمبر 1832 تاريخًا رسميًا لميلاده، ولو صح هذا التقدير، فإن جوناثان عاش خلال عصور شهدت تحولات هائلة في تاريخ البشرية، منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم. لكن جاستن غيرلاش، الباحث بجامعة كامبريدج وأحد المشاركين في الدراسة، يرى أن عمر السلحفاة قد يكون أكبر من التقديرات المتداولة.
287 متغيرًا جينيًا تحت مجهر العلماء
لفهم أسباب هذا العمر الاستثنائي، درس الباحثون المادة الوراثية لجوناثان، إلى جانب الآليات التي تتحكم في نشاط الجينات داخل خلاياه، وأسفر التحليل عن رصد 287 متغيرًا جينيًا يُحتمل أن يكون لبعضها دور في تعزيز قدرة الخلايا على مقاومة التلف والمحافظة على وظائفها، ووفقًا لغيرلاش، تشير النتائج إلى وجود آليات فعالة مرتبطة بإصلاح الحمض النووي والحد من الالتهابات، وهما عاملان يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بصحة الخلايا مع التقدم في العمر.
وتكمن أهمية هذه الملاحظات في أن تنظيم نشاط الجينات قد يتغير تدريجيًا مع الشيخوخة لدى كثير من الكائنات، بما فيها البشر، ويمكن أن تسهم هذه التغيرات في اضطراب وظائف الخلايا وارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن، من بينها بعض أنواع السرطان.
أما لدى جوناثان، فقد رصد الباحثون مؤشرات على استمرار عمل بعض آليات تنظيم الجينات بكفاءة لافتة، وهي ملاحظة تثير تساؤلات حول الكيفية التي يحافظ بها جسمه على قدرته على أداء وظائفه رغم تقدمه الكبير في العمر، ومع ذلك، لا تزال هناك نقطة أساسية لم تُحسم بعد: هل يمتلك جوناثان خصائص وراثية فريدة تميزه عن بقية السلاحف، أم أن هذه السمات موجودة لدى السلاحف العملاقة عمومًا؟
الميتوكوندريا.. عنصر آخر في معادلة طول العمر
لم تتوقف الدراسة عند تحليل الجينات، بل امتدت إلى فحص مؤشرات مرتبطة بالميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا تتولى إنتاج الجزء الأكبر من الطاقة التي تحتاج إليها للقيام بوظائفها، وتشير المقارنة بين جينوم جوناثان وسلاحف أصغر سنًا من فصيلته تعيش في سيشل إلى أن الميتوكوندريا لديه تتمتع بحالة جيدة على نحو لافت، ما دفع الباحثين إلى النظر في احتمال ارتباط كفاءتها بقدرته على مواصلة الحياة لفترة طويلة.
وقال ستيفن كلارك، المؤلف الرئيسي للدراسة، إن الفريق يخطط لتوسيع نطاق البحث ليشمل سلاحف أخرى، بهدف تحديد ما إذا كانت المؤشرات المكتشفة سمة مشتركة لدى هذه الكائنات أم أنها ترتبط بحالة جوناثان على وجه الخصوص.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية إضافية في ضوء بيانات سابقة تشير إلى كفاءة الميتوكوندريا لدى بعض الأشخاص الذين تجاوزوا سن 110 أعوام، لكن التشابه في المؤشرات البيولوجية لا يعني بالضرورة تطابق الآليات المسؤولة عن طول العمر بين البشر والسلاحف، وهو ما يحتاج إلى مزيد من الأبحاث، ويرى كلارك أن فهم هذه العمليات قد يفتح المجال مستقبلًا لتطوير أدوية تستهدف تحسين صحة الميتوكوندريا لدى البشر، مع إمكانية الانتقال إلى تجارب سريرية خلال العام أو العامين التاليين، وفق ما أشار إليه الباحث.
كيف نجا جوناثان من مخاطر واجهت سلاحف أخرى؟
لا تقتصر قصة جوناثان على الجانب الوراثي، فمسيرته الطويلة ترتبط أيضًا بظروف تاريخية ربما أسهمت في نجاته من أخطار واجهت سلاحف عملاقة أخرى، ويُعتقد أنه نُقل إلى جزيرة سانت هيلينا خلال القرن التاسع عشر، في وقت كانت فيه السلاحف العملاقة تُعد من الحيوانات النادرة التي تُقدَّم كهدايا لمسؤولين وشخصيات بارزة.
وفي المقابل، اعتادت بعض أطقم السفن خلال تلك الحقبة احتجاز السلاحف العملاقة لفترات طويلة لاستخدامها مصدرًا للغذاء خلال الرحلات البحرية.
وأسهمت هذه الممارسات في تراجع أعداد بعض الأنواع، وصولًا إلى انقراض إحدى فصائل السلاحف في موريشيوس، وفقًا لما أوضحه غيرلاش، أما جوناثان، فقد نجا من تلك الظروف، ليواصل حياته في الجزيرة التي أصبحت موطنه منذ نحو قرنين.
ويبلغ وزن السلحفاة نحو 180 كيلوغرامًا، ولا يزال نشطًا رغم فقدانه البصر نتيجة إصابته بالمياه البيضاء، وهو ما لم يمنعه من البقاء أحد أبرز عوامل الجذب السياحي في سانت هيلينا.
هل تحمل السلاحف مفتاحًا لفهم شيخوخة الإنسان؟
يرى جواو بيدرو دي ماغالهايس، رئيس قسم بيولوجيا الشيخوخة الجزيئية بجامعة برمنغهام، والذي لم يشارك في الدراسة، أن البحث في أسباب اختلاف أعمار الكائنات الحية يمكن أن يساعد العلماء على فهم العمليات البيولوجية التي تتحكم في الشيخوخة.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر قيمة دراسة جوناثان على تفسير حالة حيوان معمّر، بل تمتد إلى البحث عن آليات قد تساعد في الحفاظ على صحة الخلايا وتقليل آثار التقدم في السن، غير أن تحويل هذه المؤشرات إلى علاجات بشرية يتطلب المرور بمراحل طويلة من البحث والاختبارات للتأكد من فعاليتها وسلامتها.
وفي السياق ذاته، حذرت هاندان مليكة دونيرتاش، الأستاذة المساعدة والباحثة في علم الجينوم بجامعة الشرق الأوسط التقنية في تركيا، والتي لم تشارك في الدراسة، من المبالغة في استخلاص النتائج اعتمادًا على حالة واحدة فقط، وأكدت أن تحليل الجينوم الخاص بجوناثان لا يكفي بمفرده لتحديد الأسباب الحقيقية وراء طول عمره، مشيرة إلى ضرورة إجراء دراسات أوسع تشمل أعدادًا أكبر من السلاحف العملاقة وأنواعًا أخرى معروفة بطول العمر.
دراسة واعدة.. لكن الإجابة لم تكتمل بعد
يفتح جوناثان أمام العلماء بابًا مهمًا لاستكشاف العلاقة بين الجينات وإصلاح الخلايا وإنتاج الطاقة ومقاومة الشيخوخة، لكن ما توصلت إليه الدراسة حتى الآن يمثل مؤشرات بحثية تستحق المتابعة، وليس دليلًا نهائيًا على وجود سر واحد يفسر عمره الاستثنائي.
ومع توسع الأبحاث في هذا المجال، قد تكشف المقارنات بين الكائنات طويلة العمر عن آليات بيولوجية جديدة تساعد على فهم أسباب تراجع وظائف الجسم مع التقدم في السن، وحتى تتضح الصورة بصورة أكبر، سيظل جوناثان أكثر من مجرد سلحفاة معمرة فهو حالة علمية نادرة تذكر الباحثين بأن أسرار الشيخوخة لا تزال تحمل أسئلة كثيرة، وأن الإجابات التي قد تفيد صحة الإنسان ربما تبدأ من دراسة كائن استطاع أن يعيش قرابة قرنين من الزمان.
يُقدر عمر جوناثان بنحو 194 عامًا، بينما يرجح أحد الباحثين أنه ربما تجاوز حاجز القرنين
رصد الباحثون 287 متغيرًا جينيًا ومؤشرات مرتبطة بإصلاح الحمض النووي والحد من الالتهابات، إضافة إلى حالة جيدة لافتة للميتوكوندريا لديه
لا، فالباحثون أكدوا أن النتائج مؤشرات بحثية مهمة فقط، وأن الإجابة النهائية لم تكتمل بعد وتحتاج إلى دراسات أوسع تشمل سلاحف أخرى


