أحيانًا، يشعر الفأر اللقيط بأنه أصبح أسدًا، لا لأنه امتلك قوته، بل لأنه اعتقد أن الصراخ يمنحه الهيبة، وأن استفزاز الآخرين دليل شجاعة، وأن غياب الرد الفوري يعني أن الطريق أصبح مفتوحا أمامه، فيخرج من جحره متباهيا، يتحدث عن أراضي الآخرين، ويوزع التهديدات كأن الخرائط تُرسم وفقًا لأهوائه، لكن المشكلة في هذه الحكاية ليست في الفأر الذي توهم أنه أسد، بل في اللحظة التي يصدق فيها أوهامه، فيخلط بين الضجيج والنفوذ، وبين القدرة على إطلاق التهديد والقدرة على تحمل عواقبه.
هذه الصورة تختصر جانبا من عقلية اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي لم يعد يكتفي بتوسيع حدود خطابه، بل يحاول دفع المنطقة إلى التعايش مع أفكار كانت تبدو مستحيلة، من التهجير إلى التوسع، ومن إنكار الحقوق الفلسطينية إلى التلويح بأراضي الدول المجاورة، وفي هذا السياق، تأتي تصريحات بتسلئيل سموتريتش أحد وزراء الكيان الإسرائيلي بشأن مصر وسيناء، لتطرح سؤالا يتجاوز شخص سئ الذكر نفسه: هل نحن أمام مجرد استعراض سياسي، أم أمام محاولة لفرض معادلة إقليمية جديدة قوامها أن ما تستطيع إسرائيل التهديد به يصبح حقًا لها في التفاوض؟.
لقد سألني أكثر من شخص من أهالينا في الصعيد سؤالا مباشرا: «هو هم فعلا خايفين إننا ندخل حرب معاهم؟»، والسؤال يستحق إجابة جادة، لأن المواطن يريد أن يفهم ما وراء التصريحات، لا أن يسمع مزيدا من الشعارات، والحقيقة أن الجزم بأن إسرائيل تخشى الحرب مع مصر، أو أنها تريد إشعالها، يحتاج إلى أدلة لا توفرها التصريحات وحدها، لكن المؤكد أن أي حساب استراتيجي جاد لا يمكنه التعامل مع مصر باعتبارها طرفا يمكن تجاوز مصالحه أو تجاهل قدراته، وأن الحرب ليس قرارا يمكن اتخاذه بمنطق المزايدة السياسية أو الثقة المفرطة في التفوق العسكري.
فالدول لا تخشى بعضها بالمعنى النفسي الذي يتداوله الناس، وإنما تحسب حساب قدراتها ومصالحها وتكاليف الصدام معها، وإسرائيل، مهما بلغت قدراتها العسكرية، لا تستطيع أن تفصل أي مواجهة مع مصر عن آثارها على أمنها واقتصادها وجبهتها الداخلية وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وفي المقابل، لا تقوم السياسة المصرية على البحث عن الحرب أو استعراض الرغبة فيها، بل على حماية المصالح الوطنية ومنع تحول المنطقة إلى ساحة صراعات مفتوحة، ومن ثم، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت إسرائيل خائفة، وإنما ما إذا كان أصحاب هذا الخطاب مستعدين لتحمل النتائج التي قد تترتب على تحويل تهديداتهم إلى أفعال؟.
وتأتي سيناء، فهي جوهر المسألة، لا مجرد كلمة وردت في تصريح استفزازي، فحين يتحدث مسؤول إسرائيلي عن احتمال انتزاعها من مصر وأعتقد أنه لا يتحدث بالمعني الحرفي عن احتلالها، فإنه يتجاوز حدود الجدل السياسي إلى المساس بمبدأ أساسي في العلاقات الدولية، وهو احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، سيناء ليست مساحة يمكن إعادة طرح ملكيتها كلما احتاج سياسي إلى رفع شعبيته أو توسيع نفوذه داخل معسكره، وليست فراغًا جغرافيًا ينتظر من يملؤه، إنها أرض مصرية استعادتها الدولة بعد حرب وتفاوض ومسار قانوني، واكتمل الانسحاب الإسرائيلي منها عام 1982، ثم عادت طابا إلى السيادة المصرية عام 1989 بعد التحكيم الدولي، وهذه ليست تفاصيل من الماضي، بل وقائع تؤكد أن السيادة لا تتغير بتبدل الخطاب السياسي.
لكن لماذا يجري استدعاء سيناء في هذا التوقيت؟ هنا يصبح الربط بين التصريحات والسياق الإقليمي ضروريا، فمصر ترفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وتتمسك بأن معالجة القضية الفلسطينية لا تكون بنقل سكانها إلى أراضي الدول المجاورة، بل بإنهاء أسباب الصراع وصون حقوق الفلسطينيين، ومن هذه الزاوية، فإن التلويح بسيناء يثير مخاوف تتجاوز التهديد المباشر للأرض المصرية؛ لأنه يتقاطع مع محاولات تحميل مصر تبعات حرب لم تخترها، وتحويل الجغرافيا المصرية إلى جزء من حلول تستهدف تغيير الواقع السكاني والسياسي في غزة.
وهنا تكمن خطورة الفكرة، حتى إذا لم تكن هناك خطة عملية وشيكة لتنفيذها، فالتطرف السياسي كثيرًا ما يبدأ باختبار حدود الخطاب العام: يطرح أمر بالغ الخطورة، ثم يترك لقياس ردود الفعل، ثم يعاد طرحه بصيغة أقل صدمة، حتى يصبح قابلا للنقاش لدى بعض الأوساط، ولا يعني ذلك أن كل تصريح يتحول بالضرورة إلى سياسة حكومية، لكنه يعني أن التعامل مع الخطاب التوسعي يحتاج إلى يقظة سياسية تمنع تطبيع الفكرة أو منحها شرعية ضمنية.
ومع ذلك، فإن مصر لن تمنح سموتريتش ما قد يسعى إليه من تحويل تصريحاته إلى أزمة تحدد أجندة القاهرة أو تدفعها إلى ردود فعل غير محسوبة، فالقوة السياسية ليست في ملاحقة كل استفزاز، بل في القدرة على تحديد ما يستحق المواجهة، واختيار الأداة المناسبة لها، قد يكون التصريح محدود القيمة من الناحية العملية، لكنه يستحق ردا سياسيًا واضحا إذا مس السيادة المصرية أو ارتبط بمحاولات تهجير الفلسطينيين، والفرق هنا بين تضخيم التصريح وتفكيك دلالته: الأول يخدم الضجيج، أما الثاني فيحمي المصالح.
كذلك، فإن الرد على الخطاب المتطرف لا ينبغي أن يقتصر على تبادل العبارات النارية، وهو ما جرى بالفعل من حديث فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، من وضوح موقف مصري متماسك يجمع بين الدبلوماسية الحازمة، والتمسك بالقانون الدولي، والاستعداد الدفاعي، والحفاظ على قنوات الاتصال التي تمنع سوء التقدير، وليس في ذلك تناقض؛ فالدولة التي تسعى إلى تجنب الحرب ليست مطالبة بالتخلي عن أدوات الردع، كما أن الدولة التي تمتلك أدوات الردع ليست مضطرة إلى تحويلها إلى تهديد دائم، الهدف هو منع الاعتداء، لا صناعة مواجهة لا تخدم مصالح الوطن.
ولعل ما يغيب عن أصحاب الخطاب المتطرف أن أمن الدول لا يتحقق بمجرد تخويف جيرانها.. فالأمن الذي يقوم على التهديد يظل هشًا؛ لأنه يدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها، ويعمق انعدام الثقة، ويزيد احتمالات سوء التقدير، أما الترتيبات المستقرة فتحتاج إلى احترام السيادة والحقوق، لا إلى اختبار قدرة الآخرين على تحمل الإهانة والضغط.
ومصر، من جانبها، ليست مطالبة بأن تثبت قوتها عبر إعلان نيات عسكرية، ولا بأن تدخل في منافسة خطابية مع وزير متطرف، قوتها الحقيقية تتجسد في قدرتها على حماية مصالحها، وإدارة علاقاتها الدولية، وتثبيت موقفها من التهجير، والحفاظ على سيادتها، ومنع تحويل الأزمات المحيطة بها إلى أعباء مفروضة عليها، كما أن تعزيز الاقتصاد والقدرات التكنولوجية ومؤسسات الدولة يظل جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، لأن القدرة على الصمود في الأزمات لا تبنى على القوة العسكرية وحدها، وإن كانت هذه القوة ركنا أساسيا لا غنى عنه.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم في تصريحات سموتريتش ليست أنه يمتلك القدرة على تغيير واقع سيناء فهذا محض هزل وسوء تقدير من سئ الذكر، وإنما أن التيار الذي يمثله ما زال يراهن على إمكان توسيع هامش المقبول سياسيا، حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين، والرد على هذا الرهان لا يكون بالانفعال ولا بالاستهانة، بل برفض واضح لأي مساس بالسيادة المصرية، وبموقف ثابت من القضية الفلسطينية، وبإدراك أن السلام لا يعني قبول الأمر الواقع إذا كان قائما على الإكراه.
أما السؤال الذي طرحه المواطنون عن الحرب، فإجابته أن مصر لا تحتاج إلى أن تتمنى الحرب كي تكون مستعدة للدفاع عن نفسها، ولا أن تدخلها كي تثبت أن أرضها ليست مستباحة، فالحكمة ليست في البحث عن الصدام، كما أن القوة ليست في التراجع أمام التهديد، الحكمة هي أن تجعل الدولة حماية أرضها ومصالحها أولوية، وأن تدير التوتر من موقع الثقة والاستعداد، لا من موقع الخوف أو الاستعراض.
في النهاية، ماذا يريد سموتريتش من مصر؟ ربما يريد استثمار التصعيد في معركته السياسية الداخلية في الانتخابات، وربما يختبر حدود الردود الإقليمية، وربما يخدم خطابه مشروعًا أوسع لدى التيار المتطرف لتطبيع أفكار التوسع والتهجير، لا يمكن الجزم بدافع واحد، لكن النتيجة الواضحة أن التهديد بسيناء هو خط أحمر بعقيدة 110 مليون جندي مصري، وكأنه نسي أن التاريخ أحيانا يرد على المتغطرسين دون أن ينطق بكلمة.
لقد استعاد المصريون أرضهم، وأثبت التاريخ أن السيادة لا تمنح بالتهديد ولا تُنتزع بمجرد التصريحات، لذلك، فإن سموتريتش قد يرفع صوته كما يشاء، لكن عليه أن يدرك أن الفرق بين الوهم والواقع لا تحسمه الكلمات، سيناء ليست موضوعًا للمساومة، ومصر لا تبحث عن حرب، ولن تقبل بسلام منقوص، ولا تقبل أن يتحول حرصها على السلام إلى ذريعة للمساس بالأمن الاقليمي.
لأنها تضمنت تلويحًا بسيناء ومصر، وهو ما اعتبره المقال مساسًا بسيادة دولة واستدعاءً لفكرة تتجاوز الجدل السياسي إلى اختبار حدود الخطاب العام
لأن مصر ترفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وتتمسك بأن الحل لا يكون بنقل السكان إلى أراضي الدول المجاورة، بينما يرى المقال أن التلويح بسيناء يرتبط بمحاولة تحميل مصر تبعات هذا الملف
وصفه بأنه رد سياسي واضح وحازم يحمي السيادة المصرية دون الانجرار إلى ردود فعل غير محسوبة أو منافسة خطابية مع وزير متطرف


