تواجه أسواق النفط العالمية ضغوطًا متزايدة مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعدما ارتفعت الأسعار بنحو 90% منذ بداية العام، وسط مخاوف من اتساع اضطرابات الإمدادات وتراجع المخزونات الاستراتيجية. وتترقب الأسواق تطورات حركة الملاحة في مضيق هرمز، ومدى قدرة الدول المنتجة على توفير احتياجات الأسواق العالمية، في ظل احتمالات استمرار ارتفاع الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
وقال الدكتور أيمن عبد المقصود، الخبير الاقتصادي، إن استمرار الأزمة في الشرق الأوسط قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد الضغوط على الإمدادات واستنزاف جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية التي ساعدت خلال الأشهر الماضية على الحد من ارتفاع الأسعار.
وأوضح الخبير في تصريحات خاصة لـ “البوابة نيوز” أن استمرار التوترات واتساع نطاق المواجهات قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز مستوى 120 دولارًا للبرميل، مع احتمالات وصولها إلى ما بين 130 و140 دولارًا، أو تجاوز هذه المستويات في حال تفاقم اضطرابات الإمدادات.
وأشار إلى أن مدة الصراع تمثل عاملًا أساسيًا في تحديد اتجاه الأسعار، موضحًا أن استمرار الأزمة لعدة أشهر قد يؤدي إلى تغيرات أكبر في الأسواق، خاصة إذا تراجعت قدرة المخزونات الاستراتيجية على تعويض نقص الإمدادات.
وأكد أن عودة الاستقرار إلى أسواق النفط تتطلب معالجة الأسباب التي أدت إلى اضطراب الإمدادات، وليس مجرد الاعتماد على المخزونات لتعويض النقص.
مضيق هرمز يواصل الضغط على أسعار النفط
وأوضح عبد المقصود أن استمرار ارتفاع أسعار النفط، رغم تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن بقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام الملاحة، يرجع إلى أن حركة الشحن لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية.
وأشار إلى أن بعض شحنات النفط لا تزال تعبر المضيق، لكن الكميات المتداولة وحركة النقل لم تستعد الأوضاع التي كانت سائدة قبل الأزمة.
وأضاف أن استمرار التوترات يؤثر في انتظام عمليات الشحن ويزيد الضغوط على الأسعار، حتى مع عدم توقف الملاحة بصورة كاملة.
وأكد أن العامل الحاسم بالنسبة إلى الأسواق يتمثل في سرعة التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة، ومدى ثقة شركات الشحن والمشغلين في استمرار فتح المضيق أمام حركة الملاحة دون اضطرابات جديدة.
وأوضح أن استعادة هذه الثقة يمكن أن تساعد على تراجع الأسعار، لكن الأسواق لا تزال تعكس آثار الانقطاعات السابقة والتراجع الكبير في المخزونات النفطية.
الهجمات على السفن تهدد بموجة ارتفاعات جديدة
وحذر الخبير الاقتصادي من أن استمرار الهجمات على السفن وناقلات الطاقة قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الإمدادات وارتفاع أسعار النفط والغاز.
وأوضح أن الأسواق أصبحت أكثر اعتيادًا على الأخبار المرتبطة بالتوترات العسكرية، ولذلك قد لا تتفاعل مع بعض الحوادث بالسرعة أو الحدة التي كانت ستشهدها قبل عام.
لكنه أكد أن اعتياد الأسواق على هذه التطورات لا يقلل خطورتها، خاصة إذا اتسع نطاق الهجمات أو أدت إلى تعطيل كميات إضافية من صادرات الطاقة.
وأشار إلى أن استمرار الاعتداءات قد يتسبب في اضطرابات جديدة لحركة الشحن، ويزيد صعوبة وصول النفط والمنتجات البترولية إلى الأسواق المستهلكة.
وأضاف أن تصاعد الأزمة سيؤثر في حجم الإمدادات المتاحة، وقد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا استمرت الانقطاعات لفترة طويلة.
الديزل والبنزين ووقود الطائرات تحت الضغط
وأوضح عبد المقصود أن ارتفاع أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات لا يرتبط فقط بصعود أسعار النفط الخام، وإنما يعكس أيضًا الضغوط التي تواجه قدرات التكرير والإمدادات العالمية.
وأشار إلى أن طاقات التكرير المتاحة لا تكفي دائمًا لتلبية الطلب المتزايد على المنتجات البترولية، خاصة مع استمرار اضطراب الأسواق وتداعيات الصراع الروسي الأوكراني.
وأضاف أن الطلب على المشتقات النفطية ارتفع بالتزامن مع تراجع انتظام الإمدادات، وهو ما أدى إلى زيادة الأسعار واتساع الضغوط على الأسواق المستهلكة.
وأوضح أن الحكومات حاولت خلال الأزمة تخفيف الضغوط من خلال الاستفادة من المخزونات الاحتياطية، لكن استمرار السحب منها يقلل قدرتها على مواجهة أي اضطرابات جديدة.
وأكد أن أسعار المنتجات البترولية قد تظل مرتفعة حتى إذا شهدت أسعار النفط الخام بعض التراجع، خاصة إذا استمرت مشكلات التكرير والنقل ونقص الإمدادات.
وأشار إلى أن تحسن الأسواق يتطلب عودة تدفقات النفط والمنتجات المكررة إلى مستوياتها الطبيعية، بما يسمح بتلبية الطلب دون ضغوط إضافية.
انتهاء الأزمة قد يؤدي إلى ارتفاع الطلب على النفط
وقال الخبير الاقتصادي إن التوصل إلى اتفاق ينهي التوترات في الشرق الأوسط قد يساعد على تهدئة الأسواق، لكنه لا يعني بالضرورة عودة أسعار النفط سريعًا إلى مستويات ما قبل الأزمة.
وأوضح أن المخزونات العالمية تعرضت لضغوط كبيرة خلال الأشهر الستة الماضية، نتيجة الاعتماد عليها لتعويض اضطرابات الإمدادات والحد من الارتفاعات السعرية.
وأضاف أن انتهاء الأزمة قد يدفع الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة، إلى زيادة مشترياتها من النفط والمشتقات البترولية لإعادة بناء الاحتياطيات التي تراجعت خلال الفترة الماضية.
وأشار إلى أن هذا الطلب الإضافي قد يشكل مصدرًا جديدًا للضغط على الأسعار، حتى بعد تحسن حركة الملاحة وعودة الإمدادات إلى الأسواق.
وأكد أن إعادة ملء المخزونات الاستراتيجية ستحتاج إلى كميات كبيرة من النفط والمنتجات البترولية، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الطلب عند مستويات مرتفعة.
وأوضح أن سرعة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة ستتوقف على قدرة المنتجين على تعويض النقص وتلبية احتياجات المستهلكين، بالتزامن مع الطلب الناتج عن إعادة بناء الاحتياطيات.
وتوقع أن تبدأ آثار هذه التحركات في الظهور بصورة أوضح خلال العام المقبل، إذا تم التوصل إلى اتفاق يسمح بعودة حركة التجارة والطاقة إلى طبيعتها.
الصين تلعب دورًا مؤثرًا في استقرار السوق
وأشار عبد المقصود إلى أن الصين لعبت دورًا مهمًا في التأثير على أسعار النفط العالمية خلال الأزمة، سواء من خلال إدارة الطلب المحلي أو استخدام المخزونات الاستراتيجية.
وأوضح أن تراجع الطلب الصيني في بعض الفترات ساهم في تخفيف الضغوط على أسعار الخام، بينما منحت الاحتياطيات التي تحتفظ بها بكين قدرة أكبر على التعامل مع اضطرابات الإمدادات.
وأضاف أن الصين اتخذت خلال بعض الفترات إجراءات لتقييد صادرات عدد من المشتقات النفطية إلى دول مجاورة، في إطار إدارة احتياجاتها المحلية.
وأشار إلى أن هذه القرارات تؤثر في حركة الأسواق بالنظر إلى الوزن الكبير للاقتصاد الصيني في تجارة الطاقة العالمية.
وأكد أن المخزونات الاستراتيجية الصينية لعبت دورًا مهمًا في الحد من الضغوط السعرية، خاصة خلال الفترات التي انخفض فيها الطلب الصيني على الواردات.
ولفت إلى أن تقييم الدور الصيني يختلف بين المتعاملين في الأسواق، إذ ينظر البعض إلى سياساتها باعتبارها عاملًا مساعدًا على الاستقرار، بينما يرى آخرون أن قراراتها المتعلقة بالمخزونات والصادرات تجعل توقع حركة الأسعار أكثر صعوبة.
دول الخليج تعزز ثقة الأسواق بمرونة إمداداتها
وأشاد الخبير الاقتصادي بقدرة دول الخليج على مواجهة اضطرابات إمدادات الطاقة خلال الأشهر الماضية، خاصة من خلال الاستفادة من مسارات بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز.
وأوضح أن استمرار الصراع فرض ضغوطًا كبيرة على صادرات المنطقة وحركة الشحن، لكن الدول الخليجية أظهرت مرونة في التعامل مع الأزمة والبحث عن حلول لتقليل تأثيرها على الأسواق.
وأضاف أن سرعة التحرك وتوفير بدائل لنقل النفط ساعدتا على تعزيز ثقة المشترين الدوليين في قدرة المنتجين الخليجيين على الوفاء بجانب من احتياجات الأسواق، رغم الظروف الصعبة.
وأكد أن المرونة والقدرة على الصمود تمثلان أبرز السمات التي أظهرتها دول الخليج في التعامل مع الأزمة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالملاحة والصادرات.
وأشار إلى أن توفير كميات من المنتجات النفطية للأسواق العالمية خلال هذه الظروف ساعد على تخفيف جانب من الضغوط، رغم تعقيد عمليات الإنتاج والنقل والتصدير.
وأضاف أن أوروبا وغيرها من الاقتصادات الكبرى تنظر إلى دول الخليج باعتبارها شريكًا رئيسيًا في تأمين احتياجات الطاقة، بالنظر إلى دور المنطقة في إنتاج النفط والغاز وتصديرهما.
واختتم الدكتور أيمن عبد المقصود تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل أسعار النفط سيظل مرتبطًا بمدة الأزمة في الشرق الأوسط، ومدى انتظام حركة الملاحة في مضيق هرمز، وقدرة الدول المنتجة على توفير الإمدادات اللازمة.
وأشار إلى أن استمرار التصعيد قد يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية، بينما يمكن أن يساعد التوصل إلى اتفاق سياسي على تخفيف الضغوط الناتجة عن اضطراب الإمدادات.
لكنه حذر من أن انتهاء الأزمة قد يؤدي إلى موجة جديدة من الطلب على النفط والمشتقات البترولية، مع اتجاه الاقتصادات الكبرى إلى تعويض المخزونات التي استهلكتها خلال الأشهر الماضية، وهو ما قد يؤخر عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة.
قال الدكتور أيمن عبد المقصود إن الأسعار قد تتجاوز 120 دولارًا للبرميل، وقد تصل إلى ما بين 130 و140 دولارًا أو تتجاوز ذلك إذا تفاقمت اضطرابات الإمدادات
استمرار التوترات حول مضيق هرمز يضغط على الأسعار لأن حركة الشحن لم تعد بعد إلى مستوياتها الطبيعية رغم بقاء بعض الشحنات العابرة للمضيق
الارتفاع لا يرتبط فقط بسعر الخام بل أيضًا بضغوط قدرات التكرير والإمدادات العالمية وتراجع انتظام الشحن وزيادة الطلب على المشتقات النفطية


