تزخر العسكرية المصرية بأسماء لامعة وسجلات ناصعة من البطولات والتضحيات التي غيرت مجرى التاريخ، وتظل ملحمة حرب أكتوبر المجيدة عام 1973 ينبوعًا لا ينضب من قصص الفخر والإباء. وفي قلب تلك الملحمة، تبرز معركة “المزرعة الصينية” كواحدة من أشرس المعارك وأعقدها في تاريخ الحروب الحديثة.
وحين يُذكر هذا الاسم، يتبادر إلى الذهن فورًا رمز من رموز الوطنية العسكرية المصرية، البطل الراحل المشير محمد حسين طنطاوى، الذي سطر بحروف من نور ملاحم من الشجاعة والحكمة والقيادة الاستثنائية.
جذور المعركة وأهميتها الاستراتيجية
تدور أحداث “المزرعة الصينية” في سيناء خلال الأيام الحاسمة لحرب أكتوبر 1973، وتحديدًا في الثيرد عشر والرابع عشر من أكتوبر. وسميت بهذا الاسم نسبةً إلى محطة تجارب زراعية أقامتها اليابان هناك وكانت تحتوي على لافتات باللغة اليابانية ظنها الجنود الإسرائيليون صينية.
كانت هذه المنطقة تمثل عقدة ارتباط حيوية وممرًا استراتيجيًا هاما للتقدم نحو الضفة الشرقية لقناة السويس.
عندما حاولت القوات الإسرائيلية تنفيذ ثغرة “الدفرسوار” واختراق الخطوط المصرية، اصطدمت بصخرة صلبة تمثلت في الكتيبة 16 مشاة التابعة للفرقة 16 بقيادة واعية وشجاعة.
هنا ظهر المعدن النفيس للقادة العظام، حيث تولى العقيد وقتها محمد حسين طنطاوى قيادة هذه الكتيبة في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد.
دور المشير حسين طنطاوى في الملحمة
لم تكن قيادة العقيد حسين طنطاوى مجرد توجيه للأوامر من خلف الخطوط، بل كانت قيادة ميدانية حية تتسم بالبطولة المطلقة والثبات الجأش.
واجهت كتيبته تفوقًا إسرائيليًا واضحًا في العتاد والدعم الجوي والمدرعات، إلا أن الإرادة المصرية والعقيدة القتالية الراسخة كان لها رأي آخر.
الثبات الاستثنائي
استطاع طنطاوى بحنكته العسكرية أن يثبت في مواقعة رغم القصف الجوي والمدفعي الكثيف، مديرًا المعركة بدقة بالغة استنزفت قوات العدو وكبدته خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
إدارة النيران بكفاءة
وظف طنطاوى الأسلحة المضادة للدرع بدقة عالية، مما جعل القوات الإسرائيلية تدرك تمامًا أن التقدم عبر هذا المحور يكلفها أثمانًا باهظة وغير مسبوقة.
روح التضحية
غرس في رجاله روح الفداء والاستبسال، فقاتل الجنود المصريون باستماتة دفاعًا عن تراب الوطن، ضاربين أروع الأمثلة في الصمود والبسالة العسكرية.
لقد شكلت صدمة “المزرعة الصينية” للجيش الإسرائيلي نقطة تحول كبرى، حيث اعترف قادتهم لاحقًا بأنها كانت من أعنف المعارك وأكثرها دموية في تاريخهم العسكري، وكتبت شهادة تفوق للجندي المصري وقادته الميدانيين.
مسيرة وطنية ممتدة
لم تقتصر بطولات المشير حسين طنطاوى على هذه المعركة فحسب، بل امتدت طوال مسيرته العسكرية الطويلة والمشرفة.
تدرج في المناصب العسكرية حتى تولى قيادة الجيش المصري وزير الدفاع والإنتاج الحربي لفترة طويله تميزت بالحفاظ على جاهزية القوات المسلحة وتطوير قدراتها.
وعندما واجهت مصر اختبارًا تاريخيًا صعيـبًا خلال أحداث ثورة يناير 2011، تحمل المسؤولية الوطنية الكبرى كرئيس للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
أثبت طنطاوى في هذه المرحلة الدقيقة وطنية صادقة وحكمة نادرة، حيث انحاز لرغبة الشعب المصري وحافظ على مؤسسات الدولة المصرية من الانهيار، عابرًا بالوطن إلى بر الأمان حتى سلم مقاليد الحكم، ومضربًا مثلًا يُحتذى به في الوفاء والتجرد وحب الوطن.
سيرة تدرس
رحل عنا الجسد وبقي الأثر الخالد. إن سيرة المشير محمد حسين طنطاوى ستظل تدرس في الأكاديميات العسكرية كنموذج للقائد المخلص الذي نذر حياته لخدمة وطنه وحماية أمنه واستقراره.
إن بطولته في “المزرعة الصينية” تظل وسامًا على صدر العسكرية المصرية، ترويها الأجيال فخرًا واعتزازًا بجيش أبي إلا أن يكون درعًا وصنّاعًا للمجد.
كانت من أشرس وأعقد معارك حرب أكتوبر 1973، وشكلت عقدة ارتباط حيوية وممرًا استراتيجيًا مهمًا نحو الضفة الشرقية لقناة السويس
تولى العقيد وقتها محمد حسين طنطاوي قيادة الكتيبة 16 مشاة في ظروف بالغة الصعوبة، وقادها ميدانيًا بثبات وحكمة رغم القصف والتفوق الإسرائيلي
لأن القوات الإسرائيلية واجهت فيها مقاومة مصرية شديدة واستنزافًا كبيرًا في الأرواح والعتاد، واعترف قادتها لاحقًا بأنها كانت من أكثر المعارك دموية في تاريخهم العسكري


