اكتملت اليوم الأحد ١٨ أكتوبر، أحد عشر عاما منذ رحيل الكاتب الكبير جمال الغيطاني حامل الروائح المحفوظية، والمقرب من أديب نوبل، نجيب محفوظ، وأحد أعضاء «شلة الحرافيش»، ومؤسس صحيفة أخبار الأدب، أول صحيفة أسبوعية ثقافية متخصصة تخرج من المؤسسات الصحفية القومية المصرية، ومازالت ذكراه العطرة تزين قلوب محبيه في المشهد الثقافي المصري والعربي.

عاصر الكاتب الراحل حرب الاستنزاف على الجبهة وصولًا إلى نصر أكتوبر المجيد، مثلما صنع الغيطاني مجده الكبير في ساحة الأدب والفكر، فإن تاريخ الصحافة الحربية يسجل اسمه بحروف من نور، بعد أن أعطى لمهنة “المراسل الحربي” وهجًا خاصًا بقدراته الكبيرة ككاتب استطاع أن يحول المعارك العنيفة إلى حكايات عن البشر والمكان أصبحت جزءًا غاليًا في الذاكرة الجمعية للمصريين.

مشروع روائي فريد.

“الغيطاني” صاحب مشروع روائي فريد، استلهم فيه التراث المصري ليخلق عالمًا روائيًا عجيبًا نال فيه نجاحًا كبيرًا، ومحبة لا تغيب، ثقافته الموسوعية وسعة اطلاعه، فتحت الطريق لإحياء فصول مثيرة من تاريخ مصر وتراثها الذاخر، بعد بحثه المتفاني في النصوص العربية المنسية، وإعادة النظر في تاريخ الأدب العربي القديم.

صعيدي الأصل ابن جهينة، جاء من محافظة سوهاج ليصنع الاستثناء من خلال مشروعه المبهر، السعي الجاد كان منهجه، منذ بداياته طفلًا في مدرسة عبد الرحمن كتخدا، ثم مدرسة الجمالية الابتدائية، وصولًا إلى قيمته الكبيرة كـ”عالِم بمصر”.

المراسل الحربي جمال الغيطاني.

“الغيطاني” عصامي النشأة والثقافة، أحاطت به أرصفة الكتب والأزهر والمآذن وكل العناصر التي تخص مصر الحقيقية، هذه النشأة أثرت في الغيطاني من حيت التكوين، كان للكاتب الراحل نهم كبير للقراءة في كتب التراث منذ صباه، اعتمد في مقتبل حياته على باعة الكتب على سور الأزهر في الحصول على ما يريد قبل أن يعرف طريقه بعد ذلك إلى دار الكتب المصرية.

جمال الغيطاني وزوجته ماجدة الجندي.

نشأ الغيطاني في خضم تجربة الرئيس جمال عبد الناصر، كانت تلك التجربة تنحاز للفقراء وتحلم بمصر القادرة المستقلة التي تستطيع البناء، أراد جمال الغيطاني الانحياز لهذه الحالة، منذ كتابه الأول “أوراق شاب عاش منذ ألف عام” عاش الغيطاني في أتون الفترة الناصرية بكل أحلامها وتطلعاتها.

نجاح كبير منذ الكتاب الأول.

منذ كتابه الأول حقق الغيطاني نجاحا كبيرا، واهتمت به الأقلام النقدية في ذلك الوقت، حيث كتب عنه الأستاذ علي الراعي، والأستاذ “محمود أمين العالم”.

جمال الغيطاني وزوجته ماجدة الجندي.

مع دخول الغيطاني في شبابه لأقسام التحقيقات والأخبار بدار أخبار اليوم، كان انشغاله كاملا بتاريخ مصر، في تلك الفترة بادر بالتردد على الجبهة، وقام بتقديم تحقيق صحفي من هناك، عرض فيه لنوع من المقاربة الأدبية عن الحرب، ثم بدأ ينشر عدة تحقيقات في نفس السياق، وذات مرة قرأ الرئيس جمال عبد الناصر بالمصادفة إحدى مقاربات الغيطاني، كان الغيطاني يقدم في تلك التحقيقات بانوراما للحياة المتداخلة بين البشر والسلاح الذي يمسكون به والوقائع التي تدور حولهم، لم يكن الغيطاني يكتب تقارير مجردة، ولكنه كان ينقل صورا للحياة، وعندما قرأ الرئيس عبد الناصر، قال إن هذا تحديدا ما نسعى إليه، وما تسعى إليه مصر، ونريد أن تكون هذه الكتابة حاضرة لدى جموع الناس.

مراسل حربي على الجبهة.

نجح الغيطاني مراسلًا عسكريًا للأخبار، وتم تخصيص مكان له على الجبهة، واصطحب معه سيارة بالتليفون، وهو الأمر الذي كان نادرًا وقتها، وصاحب الغيطاني في مغامراته المصور الكبير المرحوم مكرم جاد الكريم.

صنع جمال الغيطاني معايشة كاملة لمدن القناة، نجح ومعه مكرم جاد الكريم في توثيق فترة نادرة من تاريخ مصر بزاوية مختلفة، استطاع خلالها نقل النسيج الإنساني للحرب.

رواية الرفاعي.

تنتهي الحروب.. ولا تنتهي حكاياتها.

تتوقف المدافع، وتعود الجيوش من ميادين القتال، وتتغير الخرائط، لكن شيئًا آخر يبدأ في البقاء طويلًا: الذاكرة. وفي هذه المنطقة تحديدًا يلتقي التاريخ بالأدب؛ فالتاريخ يسجل ما حدث، أما الأدب فيحاول أن يسأل: ماذا حدث للإنسان وهو يعيش كل ذلك؟

ومن هنا تبدو حرب أكتوبر 1973 أكبر من أن تُقرأ باعتبارها واقعة عسكرية فقط. فقد كانت لحظة فارقة في الوعي المصري والعربي، لحظة انتقلت فيها صورة الجندي من خانة الهزيمة التي خلفتها حرب 1967 إلى صورة الإنسان القادر على استعادة ثقته بنفسه.

ولذلك لم يكن غريبًا أن تدخل حرب أكتوبر إلى عالم الأدب من أبواب متعددة؛ فهناك الرواية التي احتاجت إلى مسافة زمنية كي تهضم التجربة، والقصة القصيرة التي استطاعت التقاط لحظة إنسانية خاطفة، والشعر الذي كان أكثر سرعة في التعبير عن الانفعال الجمعي، ثم جاءت السينما لتعيد صياغة بعض هذه الحكايات في الذاكرة البصرية.

لكن الأدب، في النهاية، ليس دفتر عمليات عسكرية، ولا نشرة أخبار، ولا سجلًا رسميًا للمعارك. الكاتب لا يكتفي بأن يقول لنا أين تحركت القوات، أو كيف تم العبور، وإنما يبحث عن الإنسان الموجود خلف الخوذة والبندقية والزي العسكري: عن خوفه، وحنينه، وذكرياته، وعلاقته بأسرته.

وهكذا كانت طريقة الكاتب الكبير الراحل جمال الغيطاني، ولعل روايته «الرفاعي» واحدة من أكثر التجارب دلالة على ذلك؛ فقد اقترب الغيطاني، الذي عمل مراسلًا حربيًا خلال سنوات حرب الاستنزاف، من شخصية العميد إبراهيم الرفاعي، وحوّل سيرته وبطولاته إلى مادة أدبية تتجاوز تسجيل الوقائع إلى بناء صورة أسطورية وإنسانية لبطل عاش الحرب وأستشهد فيها.

الأسئلة الشائعة

لأن اليوم الأحد 18 أكتوبر اكتملت 11 سنة على رحيل جمال الغيطاني، فاستعرض المقال سيرته ودوره الأدبي والصحفي والحربي

عمل مراسلًا حربيًا خلال حرب الاستنزاف وقدم تحقيقات صحفية من الجبهة نقلت الحياة بين البشر والسلاح والوقائع بطريقة أدبية

ذكر المقال رواية الرفاعي باعتبارها من أكثر التجارب دلالة لأنه اقترب فيها من شخصية العميد إبراهيم الرفاعي وحول سيرته وبطولاته إلى مادة أدبية