تمر علينا اليوم الأحد الموافق 18 اكتوبر ذكري نشر مجلة “ساينس” لدراسة علمية نشرت في 18اكتوبر عام 2013، أن جمجمة بشرية قديمة عثر عليها في موقع دمانيسي الأثري بجورجيا، يقدر عمرها بنحو 1.8 مليون سنة، قد تعيد النظر في الطريقة التي يصنف بها العلماء الأنواع البشرية المبكرة، بعدما أشارت نتائج تحليلها إلى احتمال انتماء عدد من هذه الأنواع إلى نوع واحد.

وتحمل الجمجمة اسم «الجمجمة رقم 5»، وتتميز بحفاظها على أجزائها بصورة شبه كاملة، ما أتاح للباحثين دراسة مجموعة من الخصائص التشريحية التي نادراً ما تجتمع في أحفورة واحدة، أبرزها صغر حجم الدماغ مقارنة بوجه طويل وأسنان كبيرة.

اكتشاف استثنائي في جورجيا

عثر على الجمجمة في موقع دمانيسي بمنطقة كفيمو كارتلي، على بعد نحو 93 كيلومتراً جنوب غربي العاصمة الجورجية تبليسي. ويكتسب الموقع أهمية علمية كبيرة، إذ يضم بقايا خمسة أفراد من أسلاف الإنسان الأوائل، إلى جانب أدوات حجرية وأحافير حيوانية تعود إلى الفترة الجيولوجية نفسها.

وأتاح هذا الاكتشاف للعلماء فرصة نادرة لمقارنة الاختلافات الجسدية بين أفراد عاشوا في المكان نفسه وخلال الحقبة الزمنية ذاتها، بدلاً من الاعتماد على أحافير متفرقة عُثر عليها في مواقع وقارات مختلفة.

ووفقاً للباحثين، فإن الاختلافات بين جماجم دمانيسي لا تتجاوز، في تقديرهم، نطاق التباين الطبيعي الذي يمكن ملاحظته بين أفراد النوع الواحد، وهو ما دفعهم إلى التساؤل عما إذا كانت بعض الأنواع البشرية المبكرة التي جرى تصنيفها بصورة منفصلة تمثل في الحقيقة تنوعاً داخل مجموعة واحدة.

هل كانت أنواع الإنسان المبكرة نوعاً واحداً؟

اعتمد تصنيف أسلاف الإنسان تاريخياً على الفروق في شكل الجمجمة وحجم الدماغ وملامح الوجه والأسنان وبناءً على هذه الاختلافات، صنف العلماء أحافير متعددة ضمن أنواع مثل الإنسان الماهر والإنسان الرودولفي، إلى جانب أنواع أخرى من جنس الإنسان.

لكن فريق الدراسة رأى أن هذه الفروق التشريحية قد لا تكون كافية، بمفردها، لإثبات وجود أنواع مستقلة، خصوصاً بعد مقارنة أحافير دمانيسي بعضها ببعض.

وأوضح الباحثون أن الجمجمة رقم 5 تجمع بين صفات بدت متباينة عند دراستها في أحافير منفصلة، الأمر الذي يعني أن اكتشاف أجزاء الجمجمة في مواقع مختلفة كان من الممكن أن يؤدي إلى تصنيفها ضمن أنواع بشرية متعددة.

وأشار عالم الأنثروبولوجيا كريستوف زوليكوفر، أحد المشاركين في الدراسة، إلى أن العثور على أفراد مختلفين في الموقع نفسه والفترة الجيولوجية ذاتها يتيح افتراض أنهم ينتمون إلى مجموعة واحدة، رغم التباين الملحوظ في سماتهم الجسدية.

وطرح الفريق احتمال أن تكون أحافير بشرية مبكرة، اكتُشفت في إفريقيا ويعود تاريخ بعضها إلى نحو 2.4 مليون سنة، قد عكست بدورها تنوعاً داخل سلالة واحدة، بدلاً من تمثيلها بالضرورة أنواعاً منفصلة.

دماغ صغير رغم البنية الجسدية الشبيهة بالإنسان

بلغ حجم الجمجمة رقم 5 نحو 546 سنتيمتراً مكعباً، وهو حجم يشير إلى أن صاحبها كان يمتلك دماغاً صغيراً نسبياً، رغم أن بعض خصائص جسمه وأطرافه كانت أقرب إلى البنية المعروفة لدى البشر اللاحقين.

ورجح الباحثون أن تكون الجمجمة لرجل، استناداً إلى حجمها وارتباطها بفك سفلي عُثر عليه قبل اكتشاف الجمجمة بخمس سنوات، إلا أن هذا التقدير يظل جزءاً من تفسيرهم للأدلة الأحفورية.

وتعود بقايا دمانيسي إلى العصر البليستوسيني المبكر، وهي فترة شهدت وجود أسلاف الإنسان الأوائل وانتشارهم خارج القارة الإفريقية، وتساعد هذه الأحافير على فهم التنوع الجسدي لدى الجماعات البشرية القديمة، والعوامل التي قد تكون أثرت في تطورها وانتشارها.

فرضية علمية قد تعيد النظر في شجرة تطور الإنسان

تشير نتائج الدراسة إلى احتمال أن يكون بعض ما اعتبر سابقاً أنواعاً بشرية مختلفة مجرد اختلافات طبيعية بين أفراد نوع واحد، ربما كان قريباً من الإنسان المنتصب، الذي ارتبط اسمه بانتشار الإنسان المبكر خارج إفريقيا.

ويرى أصحاب الدراسة أن هذه الفرضية قد تفسر أوجه التشابه بين أحافير دمانيسي ونظيراتها المكتشفة في إفريقيا وآسيا وأوروبا، لكنها لا تعني أن جميع الباحثين اتفقوا على إعادة تصنيف الأنواع البشرية المبكرة.

وتظل نتائج دمانيسي جزءاً من نقاش علمي أوسع بشأن كيفية تحديد الأنواع في السجل الأحفوري، ومدى قدرة الاختلافات التشريحية وحدها على التمييز بين السلالات البشرية القديمة.

ونُشرت الدراسة الرئيسية في مجلة «ساينس» عام 2013 تحت عنوان «جمجمة كاملة من دمانيسي، جورجيا، وعلم الأحياء التطوري للإنسان المبكر»، بمشاركة ديفيد لوردكيبانيدزه وعدد من الباحثين.

ويؤكد هذا الاكتشاف أهمية دراسة الأحافير في سياقها الجيولوجي والتاريخي، إذ قد تكشف المقارنة بين أفراد عاشوا في الحقبة نفسها عن تنوع داخل النوع الواحد، وتدفع العلماء إلى مراجعة بعض التصنيفات الراسخة في تاريخ تطور الإنسان.

الأسئلة الشائعة

تتميز بأنها محفوظة بصورة شبه كاملة، ما أتاح دراسة خصائص تشريحية نادرة الاجتماع مثل صغر الدماغ مع وجه طويل وأسنان كبيرة

رأت أن بعض الاختلافات بين أحافير دمانيسي قد تقع ضمن التباين الطبيعي داخل النوع الواحد، وليس بالضرورة أنها تمثل أنواعاً مستقلة

عُثر عليها في موقع دمانيسي الأثري بجورجيا قرب تبليسي، ويقدر عمرها بنحو 1.8 مليون سنة