شهدت ندوة «خارج الصورة المتوقعة»، التي أقيمت اليوم الاثنين ضمن فعاليات ملتقى «سيني جونة» بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، نقاشًا حول التحديات التي تواجه صناع الأفلام في تحقيق التوازن بين القيمة الفنية والنجاح الجماهيري، إلى جانب الصورة التي تنقلها السينما العربية عن مجتمعاتها إلى الجمهور الغربي.
وشارك في الندوة المخرج كريم الشناوي، وجيسيكا خوري، نائبة رئيس شؤون الأعمال بشركة فيلم كلينك، وروبين سيتيزن، مديرة البرمجة والسينماتيك بمهرجان تورونتو السينمائي الدولي، فيما أدار اللقاء السيناريست والمخرج والمنتج أحمد عامر.
كريم الشناوي: هناك طريق ثالث بين السينما الفنية والتجارية
تحدث المخرج كريم الشناوي عن اختياراته الفنية، مؤكدًا أنه لا يميل إلى وضع الأفلام في تصنيفات جامدة تفصل بين السينما التجارية وتلك التي تستهدف المهرجانات، موضحًا أنه يسعى إلى تقديم أعمال تنتمي إلى مساحة تجمع بين الجانبين، رغم ما يواجهه هذا الاختيار من صعوبات.
وأشار الشناوي إلى أن هذا المسار قد يضع صانع الفيلم في موقف صعب، خاصة عندما لا يحقق العمل نجاحًا جماهيريًا كافيًا، ولا يجد في الوقت نفسه مكانه المناسب على خريطة المهرجانات السينمائية، وهو ما يجعل الاستمرار فيه مخاطرة تحتاج إلى إيمان بالتجربة الفنية.
وأضاف أنه يفضل تقديم الأفلام التي تعبر عن ذائقته ورؤيته للسينما، لافتًا إلى أن فيلم «ضي» استطاع تحقيق قدر من التوازن الذي يسعى إليه، لكنه شدد على أن الوصول إلى هذه المعادلة لا يعتمد على تجربة فيلم واحد، بل يتطلب تغييرات أوسع في السوق السينمائية وطريقة استقبال الجمهور للأعمال المختلفة.
وأكد الشناوي أن الصناعة بحاجة إلى توسيع مساحة تقبل الأفلام التي لا تسير وفق القوالب المعتادة، سواء كانت أعمالًا ذات بناء فني معقد أو تجارب تجد طريقها إلى المهرجانات، مشيرًا كذلك إلى أهمية وجود مؤسسات دعم دولية تمنح صناع الأفلام فرصة التعبير عن رؤاهم الفنية، بعيدًا عن اشتراط أن تكون أعمالهم ممثلة بالضرورة لبلدانهم أو صورتها التقليدية.
وشدد على أن الوصول إلى هذه المساحة يحتاج إلى مواصلة العمل والإصرار والضغط من أجل توفير فرص أفضل للتجارب السينمائية المختلفة.
جيسيكا خوري: تكرار حكايات الحروب ساهم في تشكيل صورة محدودة عن العرب
من جانبها، ناقشت جيسيكا خوري الكيفية التي تشكلت بها الصورة الذهنية عن المجتمعات العربية لدى الجمهور الغربي، معتبرة أن اختيارات بعض صناع الأفلام العرب أسهمت، بمرور الوقت، في ترسيخ صورة ترتبط بالحروب والأزمات والمعاناة، وكأنها تختصر حياة المنطقة بأكملها.
وأوضحت أن وصول عدد من الأفلام العربية إلى المهرجانات الدولية أو حصولها على تمويل خارجي ارتبط، لسنوات، بحكايات عن الصراعات والنساء اللاتي يعانين من غياب الحقوق، وهو ما ساعد على تكوين توقعات محددة لدى بعض الجهات الأجنبية بشأن طبيعة الموضوعات التي تقدمها السينما العربية.
ولفتت خوري إلى أن هذه الصورة لم تكن بالضرورة مطلبًا فرضه الغرب منذ البداية، لكن تكرار الموضوعات نفسها ساهم في جعلها تبدو وكأنها النموذج الأكثر تعبيرًا عن المنطقة، الأمر الذي يضع صناع الأفلام أمام تحدي تقديم حكايات مختلفة دون التضحية برؤيتهم الإبداعية.
واستشهدت بالسينما اللبنانية، موضحة أن بعض صناع الأفلام يواجهون أحكامًا مسبقة من جهات أجنبية ترى أن أعمالهم لا تعبر بما يكفي عن لبنان إذا لم تتناول الحروب والصراعات، حتى في حالات قد لا يكون أصحاب هذه الأحكام قد زاروا البلاد أو تعرفوا عن قرب على تفاصيل الحياة فيها.
وتطرقت خوري إلى تجربتها الشخصية، موضحة أنها عاشت الحرب، لكنها لم تكن تختبر الحياة من منظور الصراع وحده؛ فالحياة اليومية تستمر، والناس يحاولون التكيف مع الظروف الصعبة ومواصلة تفاصيل حياتهم، وهو ما لا تعكسه بالضرورة الأعمال التي تختزل المجتمعات في أزماتها.
وأكدت أن العالم العربي يضم حكايات إنسانية واجتماعية متعددة تستحق الوصول إلى الشاشة، وأن السينما قادرة على تقديم حياة الناس وتناقضاتهم وأحلامهم بعيدًا عن الصورة التي تكررها نشرات الأخبار.
روبين سيتيزن: لا يمكن لفيلم واحد أن يمثل مجتمعًا كاملًا
وفي السياق نفسه، تناولت روبين سيتيزن الضغوط التي يتعرض لها صناع الأفلام عندما يُنتظر منهم تقديم صورة شاملة عن مجتمعاتهم، مستندة إلى تجربتها بوصفها أمريكية سوداء، وما رصدته من صعوبات تواجه الأعمال التي تتناول حياة الأمريكيين السود إذا لم ترتبط موضوعاتها بالعنصرية أو المعاناة.
وأشارت إلى أن بعض المشروعات قد تواجه عقبات في الحصول على فرص إنتاج عندما تبتعد عن القضايا التي اعتاد الآخرون ربطها بهذه الفئة، وكأن التجارب الإنسانية الأخرى لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام أو لا تصلح لتكون موضوعًا لفيلم سينمائي.
وأضافت أن التساؤلات المتعلقة بمدى قدرة الجمهور الأسود على التفاعل مع بعض الحكايات تضع المبدعين تحت ضغط مستمر، وتجعلهم في مواجهة توقعات تتجاوز مجرد تقديم قصة فنية، لتصل إلى مطالبتهم بتمثيل مجتمع بأكمله من خلال العمل الواحد.
وأكدت سيتيزن أن تنوع الخلفيات الثقافية داخل فريق البرمجة بمهرجان تورونتو السينمائي الدولي يساعد على إدراك حساسية هذه المسألة، مشددة على أن الفيلم ليس مطالبًا بأن يقدم صورة واحدة نهائية عن المجتمع الذي ينتمي إليه صانعوه، ولا أن يتحول إلى ممثل وحيد لكل أفراده وتجاربهم.
وتفتح المناقشات التي شهدتها الندوة بابًا للتساؤل حول العلاقة بين حرية صانع الفيلم وتوقعات الجمهور والجهات الداعمة والمهرجانات الدولية، وأهمية منح السينما مساحة أوسع لتقديم حكايات متنوعة تعكس تعدد المجتمعات، بدلًا من حصرها في موضوعات أو صور نمطية محددة.
ناقشت الندوة التوازن بين القيمة الفنية والنجاح الجماهيري في السينما العربية، وكيف تؤثر الصور النمطية على ما يقدمه صناع الأفلام للجمهور الغربي
قال إنه لا يفصل بين السينما التجارية والمهرجانية بشكل جامد، ويسعى لتقديم أعمال تجمع بين الجانبين وتعبر عن ذائقته ورؤيته للسينما
لأن تكرار أفلام تتناول الحروب والأزمات والمعاناة ساعد على ترسيخ صورة ذهنية تختصر المنطقة كلها في هذه الموضوعات


