قد يكون شخصان في العمر نفسه، لكن الحالة الصحية لكل منهما تختلف بشكل واضح، فبينما يحتفظ أحدهما بلياقته ونشاطه، قد تظهر لدى الآخر علامات تراجع صحي ومخاطر أعلى للإصابة بالأمراض المزمنة.
وتكشف دراسة علمية حديثة أن المركبات الكيميائية الموجودة في الدم قد تحمل معلومات مهمة عن هذه الاختلافات، وتساعد في تقدير ما يعرف بالعمر الأيضي، الذي قد يعكس بعض جوانب الحالة البيولوجية للجسم بصورة تختلف عن العمر المسجل بالسنوات.
وأجرى الدراسة باحثون ضمن مشروع شمل ستة مراكز في شانغهاي بالصين، ونُشرت في دورية «ساينس ترانسليشنال ميديسن» العلمية. واعتمد الفريق على بيانات وتحاليل بلازما الدم لدى 18476 شخصا تراوحت أعمارهم بين عام واحد و96 عاما، بهدف تحديد التغيرات الأيضية المصاحبة للشيخوخة، واختبار علاقتها بالإصابة بالأمراض المزمنة ومخاطر الوفاة.
الدم يقدم صورة مختلفة عن العمر
حلل الباحثون المركبات الأيضية، وهي مواد تنتج عن التفاعلات الكيميائية المستمرة داخل الجسم، واستخدموا النتائج لتطوير مقياس يقدر العمر الأيضي لدى الأشخاص الأصحاء. ويقارن هذا المقياس بين العمر الذي تشير إليه أنماط المركبات في الدم والعمر الفعلي للشخص، فإذا بدا العمر الأيضي أكبر من المتوقع، فقد يكون ذلك مؤشرا على اختلافات صحية تستحق المتابعة، لكنه لا يمثل تشخيصا مستقلا لأي مرض.
وشملت الدراسة مجموعة من 5252 شخصا أصحاء لتطوير النموذج، ثم اختُبر على 5456 مشاركا آخرين، بينما استخدم الباحثون بيانات 7768 شخصا لديهم أمراض قائمة لدراسة العلاقة بين التغيرات الأيضية ومخاطر الوفاة. كما تابع الفريق تطور الحالات الصحية خلال السنوات التالية، ورصد الوفيات حتى يناير 2025، ما أتاح له مقارنة المؤشرات الأولية بالتغيرات الصحية التي ظهرت لاحقا.
مركبات ترتبط بمخاطر الأمراض والوفاة
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا تسارعا أكبر في العمر الأيضي كانوا أكثر عرضة للإصابة بحالات مزمنة، من بينها السكري وارتفاع ضغط الدم ومرض الكبد الدهني، كما ارتبطت لديهم مخاطر أعلى للوفاة لأي سبب. وحدد الباحثون مركبات ارتبطت بهذه المؤشرات، من بينها 3-ميثيل إندول والكرياتينين، بينما ظهر ارتباط عكسي بين مركب 4-هيدروكسي برولين ومخاطر الوفاة.
ورصدت الدراسة أيضا علاقة بين ارتفاع مقياس الانحراف العمري لدى المصابين بأمراض مزمنة وبين بعض المؤشرات التي تظهر في تحاليل الدم المعتادة، مثل ارتفاع الكرياتينين وحمض اليوريك واليوريا، في حين ارتبطت مستويات الهيموجلوبين والهيماتوكريت وعدد كريات الدم الحمراء بعلاقات معاكسة. كما ارتفع المقياس لدى الأشخاص المصابين بأكثر من مرض، ما يشير إلى إمكانية الاستفادة منه في فهم العبء الصحي العام، وليس العمر وحده.
هل يؤثر الطعام والنشاط البدني في الشيخوخة؟
بحث العلماء كذلك العلاقة بين نمط الحياة والتغيرات في العمر الأيضي، ووجدوا أن زيادة النشاط البدني وتقليل تناول الأطعمة المقلية ارتبطا بتغيرات أكثر ملاءمة في بعض القياسات. وفي المقابل، ارتبط الاستهلاك الأعلى للسكريات واللحوم المصنعة والأطعمة المقلية بقيم أقل ملاءمة للمؤشر. كما أظهرت المتابعة أن المشاركين المصابين بارتفاع ضغط الدم الذين تمكنوا من الوصول إلى ضغط أقل من 140/90 بحلول عام 2023 سجلوا تغيرات أفضل في مقياس مخاطر الوفاة مقارنة بمن ظل ضغطهم غير مضبوط.
لكن هذه النتائج لا تثبت أن نوعا محددا من الطعام يسرع الشيخوخة أو أن تغييره يؤدي حتما إلى إبطائها، لأن الدراسة رصدت ارتباطات إحصائية ولم تثبت علاقة سببية مباشرة. كذلك كانت قدرة المؤشرات الجديدة على تحسين التنبؤ بالمخاطر مقارنة بالتقييمات الصحية المعتادة محدودة، وهو ما يستدعي الحذر عند تفسير النتائج.
هل يصبح تحليل الدم أداة لتوقع المخاطر؟
تفتح الدراسة الباب أمام تطوير وسائل إضافية لتقييم مخاطر الأمراض المزمنة من خلال تحليل المركبات الأيضية، التي تعكس جوانب من النشاط الكيميائي داخل الجسم. إلا أن اعتماد هذه المؤشرات في الممارسة الطبية يحتاج إلى دراسات مستقلة على مجموعات سكانية متنوعة، وفترات متابعة أطول، مع التأكد من دقتها قبل استخدامها لاتخاذ قرارات علاجية.
وبذلك، لا يقدم البحث اختبارا جاهزا يحدد العمر الحقيقي للجسم أو يتنبأ بموعد الوفاة، لكنه يشير إلى أن تحليل الدم قد يساعد مستقبلا في اكتشاف بعض المخاطر الصحية مبكرا، إلى جانب الفحوص الطبية المعروفة وتقييم نمط الحياة والتاريخ المرضي.
الدراسة تشير إلى أن المركبات الكيميائية والأيضية في الدم قد تعكس العمر الأيضي وبعض جوانب الحالة البيولوجية للجسم بشكل مختلف عن العمر الحقيقي
الأشخاص الذين سجلوا تسارعا أكبر في العمر الأيضي كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسكري وارتفاع ضغط الدم ومرض الكبد الدهني، كما ارتبط ذلك بمخاطر أعلى للوفاة لأي سبب
لا، الدراسة لم تثبت علاقة سببية مباشرة بين نوع معين من الطعام والشيخوخة، لكنها وجدت ارتباطات إحصائية بين بعض الأنماط الغذائية والتغيرات في العمر الأيضي


