بدأت فعاليات «منتدى مصر 2026» صباح أمس الإثنين بأحد فنادق العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومن المقرر أن ينتهي السبت القادم؛ وهو الحدث الذي يركز في جوهره على صناعة الوعي، وآليات التعامل مع الطفرة التكنولوجية، وبناء الإنسان.

ولعل أبرز ما لفت نظري في افتتاحية محاور المنتدى كانت تلك الجلسة الثرية المعنونة بـ «جيل زد.. كيف نختار مصادرنا»، وهو جيل يُوَصَف بأنه رقمي بالفطرة، ثم عُرِض فيلم تسجيلي جسّد بأبعاد درامية واقعية الآثار السلبية لمنصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الطرح العلمي الشامل حول حماية العقول من المعلومات المضللة، وكيفية توظيف التقنيات الحديثة لصالح النمو المعرفي لمجتمعنا دون الانزلاق إلى مخاطرها.

وكان الشاهد الأبرز في هذا المحفل هو حديث الرئيس، الذي أكد بنبرة أبوية صادقة أن الوسطية والاعتدال هما طوق النجاة الوحيد عند التعاطي مع الوسائط الرقمية، مستشهداً بما يلمسه واقعياً من إفراط الأبناء والأحفاد في استخدام الهواتف التي تلتهم أوقاتهم «طوال اليوم». وأوضح أن المشكلة الحقيقية لا تتصل بمخاصمة العصر أو معاداة مكتسباته التقنية، وإنما تكمن في غياب الترشيد وتراجع الدور الرقابي والتوجيهي للأسرة، مما يترك الناشئة فريسة لانغماس كلي يجرف طاقاتهم الجسدية والعقلية، ويهدد مسار نموهم السليم.

ومما لا شك فيه أن هذا الطرح المؤسسي يضع اليد تماماً على جرح صحي ونفسي غائر ينخر في أجساد وعقول الصغار؛ إذ تشير الدراسات الطبية إلى أن الإفراط في التعرض للأجهزة اللوحية يبعث بآثار بيولوجية وكيميائية بالغة التعقيد. فالضوء الأزرق المنبعث بكثافة من الأجهزة الذكية يعمل فوراً على خداع المخ، حيث يكبح إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول طبيعياً عن تنظيم دورة النوم واسترخاء الجسد ليلاً. هذا الاضطراب الهرموني الحاد يسرق من زهور الحياة ساعات الراحة العميقة الضرورية لإفراز هرمونات النمو، ويتركهم في حالة تشتت ذهني وإجهاد عصبي دائم يضعف تحصيلهم الدراسي ويُؤثّر سلبياً على كفاءة جهازهم المناعي.

ولا تتوقف الفاتورة المأساوية عند حدود اضطرابات النوم، بل تمتد لتصيب الكيان الجسدي بمرض السمنة المبكرة وتراكم الدهون نتيجة نمط الحياة الخامل؛ حيث يقضي الطفل ساعات متصلة في حالة سكون حركي تام، مع تناوله المأكولات السريعة دون وعي أثناء الانغماس في مشاهدة المقاطع المتلاحقة. ومع استمرار تدفق شلالات الدوبامين الزائف، وهو هرمون السعادة، الناتج عن النقرات والتفاعلات اللحظية، ينعكس ذلك على صغارنا بالعزلة والانفصال عن المحيط المجتمعي، مما يجعلهم فريسة سهلة للقلق والاكتئاب وضعف مهارات التواصل الواقعي.

ويتجاوز الخطر حدود الأثر الجسدي ليمتد إلى هندسة الوعي والقيم عبر خوارزميات توجيهية خبيثة؛ إذ تؤكد دراسات حديثة نشرتها دورية «Nature Human Behaviour» المتخصصة في السلوك البشري أن آليات المنصات تعتمد نماذج قائمة على «التعزيز المتناوب»، حيث تُصمم خصيصاً لتتبع البصمة الرقمية للطفل، المتمثلة في سجل تفاعلاته واهتماماته على الشبكة، وتغذية عقله بمحتوى متصاعد يكرس الاضطراب والسطحية والمقارنة الهدامة. إن هذا التدخل الممنهج لا يسرق التفكير النقدي فحسب، بل يزرع أنماطاً غريبة تشوه البناء الأخلاقي للأسرة، حيث تحول العقول الغضة من صانعة للوعي إلى أسيرة لمنظومة افتراضية تفصلها عن واقعها، وتعرقل إنتاجيتها وفاعليتها داخل المجتمع.

ومواجهة هذا الوباء تتطلب استعادة الدور الأصيل للأسرة، واليقين بأن السعي الدؤوب لحماية الأبناء من التسمم الرقمي لا يقل عن مهمة توفير الغذاء والرعاية الصحية لهم؛ وذلك عبر إرساء استراتيجية تبدأ منذ نعومة أظفارهم بلفت انتباههم لأهمية تقليص فترات التعرض لتلك المنصات التي تسرق الأعمار وتضلل الإدراك. إن ترسيخ قدسية الوقت لديهم وعدم تبديده في إدمان عادات يومية مُهلكة هو طوق النجاة؛ فالطفولة الحقيقية لا تبنى خلف الشاشات المضيئة، بل تنمو في مساحات الحركة والنقاش المباشر والنشاط البدني الذي يعيد لأجسادهم وعقولهم توازنها الفطري.

الأسئلة الشائعة

يحذر المقال من الإفراط في استخدام الهواتف والمنصات الرقمية لأنه يؤدي إلى اضطراب النوم وضعف التركيز والإجهاد العصبي وتراجع التحصيل الدراسي

يذكر المقال أن الضوء الأزرق يكبح إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم واسترخاء الجسد ليلاً ما يحرم الأطفال من الراحة العميقة اللازمة للنمو

يدعو المقال الأسرة إلى ترشيد استخدام الوسائط الرقمية وتقليص فترات التعرض لها وتعزيز الحركة والنقاش المباشر والنشاط البدني لدى الأبناء