لم يعد ملف العقارات المخالفة والآيلة للسقوط في الإسكندرية مجرد أزمة عمرانية تتكرر مع كل حادث انهيار أو ميل مفاجئ لأحد المباني، بل تحول إلى قضية تمس سلامة المواطنين وتختبر قدرة الأجهزة التنفيذية على فرض القانون، وتنفيذ قرارات الترميم والإزالة، والتعامل مع المخالفات قبل أن تتحول إلى كوارث تهدد حياة السكان والمارة.
وجاءت واقعة عقار أمبروزو بمنطقة محرم بك لتعيد فتح هذا الملف الشائك، بعدما كشفت التحقيقات التي باشرتها النيابة الإدارية عن تشييد عقار مكون من طابق أرضي و12 طابقًا علويًا دون ترخيص عام 2011، وصدور قرارات إزالة بشأنه خلال العام نفسه، قبل أن يستمر قائمًا حتى تعرضه بميل شديد استدعى إخلاءه وإخلاء العقارات المجاورة له، والبدء في أعمال هدمه.
وتعيد الواقعة طرح تساؤلات جوهرية حول مصير قرارات الإزالة التي تصدرها الجهات المختصة، وأسباب تأخر تنفيذ بعضها، وآليات متابعة العقارات المخالفة على مدار السنوات، فضلًا عن مسؤولية كل جهة في حدود اختصاصها عن اكتشاف المخاطر والتعامل معها.
وبين مبانٍ قديمة تحتاج إلى الترميم والتدعيم، وأخرى تستوجب الإزالة، ومخالفات بناء قديمة تتطلب تدخلًا حاسمًا، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن إنهاء أزمة العقارات الخطرة قبل أن تتحول إلى حادث جديد، وما الضمانات التي تكفل ألا تظل القرارات الإدارية حبيسة الملفات بينما يعيش المواطنون داخل مبانٍ تهدد سلامتهم؟
أمبروزو.. 15 عامًا بين المخالفة وقرار الإزالة
كشفت التحقيقات التي باشرتها النيابة الإدارية في واقعة عقار أمبروزو، الكائن برقم 21 بشارع ابن الشجري عند تقاطعه مع شارع بدر الجمال، عن أن المبنى شيد عام 2011 دون الحصول على ترخيص، وصدر بشأنه عدد من قرارات الإزالة خلال العام نفسه.
وبحسب ما نشرته وسائل الإعلام في 19 أكتوبر 2026، أظهرت المعاينة وجود ميل شديد بالعقار، بما يشكل خطورة على سلامته الإنشائية، وهو ما استدعى إخلاء المبنى من السكان، إلى جانب إخلاء العقارات المجاورة والملاصقة له كإجراء احترازي لحماية الأرواح.
واطلعت النيابة الإدارية على تقرير فني هندسي صادر عن كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية بتاريخ 26 سبتمبر 2026، انتهى إلى أن العقار أُقيم على أساسات سطحية بالمخالفة لطبيعة التربة بالمنطقة كما اطلعت على تقرير لجنة المنشآت الآيلة للسقوط الذي أوصى بسرعة تنفيذ قرارات الإزالة الصادرة بشأنه.
وبدأت أعمال هدم العقار، حيث أُزيلت أربعة طوابق وفق التقارير المنشورة في 19 أكتوبر، مع استمرار الأعمال تمهيدًا لإزالته بالكامل حتى مستوى سطح الأرض.
ولم تقتصر التحقيقات على المعاينة الفنية، بل امتدت إلى فحص الإجراءات الإدارية التي اتُّخذت حيال العقار، إذ استمعت النيابة الإدارية إلى أقوال عدد من مسؤولي حي وسط، وأمرت باستدعاء مهندس التنظيم المختص ومدير المكتب الفني بمديرية الإسكان والمرافق بالمحافظة، لاستكمال التحقيقات والوقوف على ملابسات الواقعة.
ولا تعني هذه الإجراءات ثبوت مسؤولية أي شخص بعينه، إذ تظل المسؤوليات الإدارية أو القانونية مرهونة بنتائج التحقيقات وفحص المستندات والقرارات والإجراءات التي اتُّخذت على مدار السنوات الماضية.
لكن الواقعة تضع أمام الجهات المختصة سؤالًا لا يمكن تجاهله: لماذا ظل عقار مخالف صدر بشأنه قرار إزالة منذ عام 2011 قائمًا حتى عام 2026، وما الذي جرى بشأن تنفيذ القرار خلال هذه الفترة؟
قرارات الترميم والإزالة.. أين تتعطل منظومة التنفيذ؟
تختلف الإجراءات المتخذة تجاه العقارات الخطرة وفقًا لحالتها الإنشائية ونتائج الفحص الفني؛ فبعض المباني يمكن الحفاظ عليها من خلال أعمال الترميم والتدعيم، بينما تستوجب حالات أخرى إزالة أجزاء محددة، وقد تصل الخطورة في حالات معينة إلى ضرورة الهدم الكامل.
لكن التحدي الحقيقي لا يتوقف عند إصدار القرار، وإنما يبدأ من مرحلة التنفيذ والمتابعة والتأكد من إزالة أسباب الخطورة.
فقرار الترميم الذي لا ينفذ قد يترك السكان داخل مبنى تتدهور حالته بمرور الوقت، كما أن تأخر تنفيذ قرار الإزالة قد يطيل فترة تعرض المواطنين لمخاطر محتملة، خصوصًا إذا كان العقار مأهولًا أو يقع وسط منطقة سكنية مكتظة.
وتتطلب مواجهة هذه المشكلة حصر القرارات الصادرة بشأن كل عقار، وتحديد موقف تنفيذها، وما إذا كانت قد نُفذت بالكامل أو جزئيًا، وأسباب التأخير في الحالات المتعثرة، مع تحديد الجهة المختصة بالمتابعة وفقًا للقانون.
كما تبرز أهمية مراجعة الملفات القديمة التي لم تستكمل إجراءاتها، وإعادة تقييم الحالة الإنشائية للعقارات التي تغيرت ظروفها منذ صدور القرارات، حتى لا تستمر بعض المباني في وضع خطر بسبب الاعتماد على معاينات قديمة لم تعد تعكس حالتها الراهنة.
ولا يمكن تقييم كفاءة منظومة التعامل مع العقارات الآيلة للسقوط بعدد القرارات التي تصدرها فقط، بل يجب أن يرتبط التقييم بما نُفذ فعليًا، وسرعة التعامل مع الحالات ذات الخطورة الداهمة، ومدى التزام الملاك بأعمال الترميم والتدعيم، والإجراءات التي تتخذها الجهات المختصة عند الامتناع عن التنفيذ.
القانون موجود.. لكن التنفيذ هو الاختبار الحقيقي
يمثل الإطار التشريعي أحد الأدوات الرئيسية لمواجهة مخالفات البناء والتعامل مع المنشآت الخطرة، إذ ينظم قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 جوانب من أعمال البناء والتراخيص والاشتراطات الفنية والمخالفات، إلى جانب التشريعات والقرارات ذات الصلة بالمنشآت الآيلة للسقوط والترميم والصيانة والإزالة.
ويتطلب تحديد الإجراء القانوني الواجب التطبيق مراجعة النصوص الرسمية وتعديلاتها، وطبيعة المخالفة وتاريخها، والجهة التي أصدرت القرار، والإجراءات التي اتُّخذت لتنفيذه.
وتكمن أهمية التطبيق الفعلي للقانون في متابعة العقار منذ اكتشاف المخالفة، مرورًا بالمعاينة وإصدار القرار وإعلانه، وحتى تنفيذ أعمال الترميم أو التدعيم أو الإزالة والتحقق من انتهاء الخطر.
كما يجب أن تتضمن ملفات العقارات توثيقًا واضحًا لكل الإجراءات التي اتُّخذت، حتى يمكن تحديد أسباب التعثر، والتمييز بين المعوقات الفنية والإدارية، وتحديد المسؤوليات وفقًا للاختصاصات والأدلة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مراجعة العقارات التي صدرت بشأنها قرارات قديمة ولم تنفذ، مع اتخاذ الإجراءات القانونية المقررة، وتفعيل المساءلة عندما تثبت التحقيقات وجود تقصير يستوجبها.
ولا يعني تأخر تنفيذ قرار إداري وحده ثبوت جريمة أو مسؤولية تأديبية، لكن استمرار الخطر يستدعي فحصًا جادًا للملف وتحديد ما إذا كانت الإجراءات القانونية والإدارية قد اتُّخذت في مواعيدها وبالصورة المطلوبة.
منظومة رقابة ومتابعة مستمرة
وفي هذا السياق قال الدكتور حمدي عرفة، خبير التنمية المحلية، إن مواجهة أزمة العقارات المخالفة والآيلة للسقوط تتطلب الانتقال من التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى منظومة متكاملة للرصد والوقاية والمتابعة المستمرة، مشيرًا إلى أن دور الإدارة المحلية لا ينبغي أن يقتصر على إصدار قرارات الإزالة أو الترميم، وإنما يمتد إلى التأكد من تنفيذها ومتابعة الحالة الإنشائية للعقارات التي تمثل خطورة على المواطنين.
وأضاف عرفة، أن إعداد قاعدة بيانات محدثة للعقارات يمثل خطوة أساسية لتحديد حجم المشكلة وترتيب الأولويات، بحيث تتضمن بيانات كل عقار، وحالته الإنشائية، وطبيعة المخالفات الموجودة به، والقرارات الصادرة بشأنه، وموقف تنفيذها، مع إعطاء الأولوية للمباني التي تشير المعاينات الفنية إلى وجود خطورة داهمة بها.
وأوضح عرفة، أن استمرار بعض العقارات المخالفة رغم صدور قرارات بشأنها يستدعي مراجعة الإجراءات الإدارية التي اتُّخذت حيالها، وتحديد أسباب عدم التنفيذ، سواء ارتبطت بمعوقات فنية أو إدارية أو مالية، مع ضرورة معالجة هذه المعوقات وفقًا للقواعد المنظمة.
وأشار عرفة، إلى أن التنسيق بين الأحياء والمحافظات والجهات الهندسية ومديريات الإسكان يمثل عنصرًا مهمًا في نجاح منظومة التعامل مع العقارات الخطرة، لافتًا إلى أن تقييم الأداء ينبغي أن يستند إلى نتائج التنفيذ الفعلي، وليس إلى عدد القرارات الصادرة فقط.
وأكد عرفة، أن توفير السكن البديل للأسر المتضررة يمثل عنصرًا أساسيًا في المعالجة، خاصة في الحالات التي تستوجب الإخلاء، بما يحقق التوازن بين سرعة التدخل لحماية الأرواح وضمان استقرار الأسر التي تفقد مساكنها نتيجة قرارات الإزالة.
تحديد المسؤولية يتطلب فحص كل ملف على حدة
قال أحمد السيد الثلاثي، الخبير القانوني والمحامي، إن أزمة العقارات المخالفة لا تتوقف عند مخالفة اشتراطات البناء أو صدور قرار إداري بالإزالة أو الترميم، وإنما تمتد إلى مدى الالتزام بتنفيذ القرارات والإجراءات القانونية المقررة، ومدى قيام كل جهة بمسؤولياتها في حدود اختصاصها.
وأضاف الثلاثي، أن تقييم المسؤولية القانونية في حالات العقارات الخطرة يستلزم فحص ملف كل عقار على حدة، بما يشمل التراخيص، والمخالفات المثبتة، والتقارير الهندسية، والقرارات الصادرة، وإجراءات إعلانها ومتابعتها، والأسباب التي أدت إلى عدم التنفيذ إن ثبت ذلك، مشددًا على أن تحديد المسؤولية لا يجوز أن يقوم على مجرد وقوع الحادث أو استمرار المبنى، بل يجب أن يستند إلى الأدلة والتحقيقات والنصوص القانونية واجبة التطبيق.
وأوضح الثلاثي، أن قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 يتضمن تنظيمًا لأعمال البناء والتراخيص والمخالفات، بينما ترتبط إجراءات ترميم وصيانة المنشآت الآيلة للسقوط وهدمها بالتشريعات والقرارات ذات الصلة، وفقًا لطبيعة الحالة وتاريخها ولذلك يجب الرجوع إلى النصوص الرسمية وتعديلاتها عند تحديد الإجراء القانوني الواجب اتخاذه في كل واقعة.
وأشار الثلاثي، إلى أن صدور قرار بالإزالة أو الترميم لا يعني انتهاء مسؤولية الجهات المختصة عن متابعة الملف، إذ تظل إجراءات التنفيذ والتوثيق والمتابعة عناصر مهمة في تقييم مدى التعامل مع الخطر، مع ضرورة الالتزام بالضمانات القانونية المقررة وعدم الخلط بين التأخير الإداري وحده وبين ثبوت المسؤولية الجنائية أو التأديبية.
واختتم الثلاثي، أن معالجة ملف العقارات الآيلة للسقوط تحتاج إلى منظومة تنفيذ ومتابعة ومحاسبة واضحة، بحيث لا تظل القرارات حبيسة الملفات، ولا تتحول المخالفات الممتدة إلى خطر لا يُكتشف إلا بعد حدوث الميل أو الانهيار.
عاد الملف للواجهة بسبب واقعة عقار أمبروزو بمحرم بك بعد كشف التحقيقات أنه شُيد دون ترخيص عام 2011 وصدر بحقه قرار إزالة وظل قائمًا حتى ظهر ميل شديد استدعى إخلاءه وبدء هدمه
التحقيقات كشفت أنه مكون من طابق أرضي و12 طابقًا علويًا أُقيم دون ترخيص وصدر بشأنه عدد من قرارات الإزالة عام 2011 كما أظهر التقرير الهندسي أنه أُقيم على أساسات سطحية بالمخالفة لطبيعة التربة
طالب الخبراء بمنظومة رصد ومتابعة مستمرة وقاعدة بيانات محدثة للعقارات وربط التقييم بالتنفيذ الفعلي لقرارات الترميم والإزالة مع التنسيق بين الجهات المختلفة وتوفير سكن بديل للأسر المتضررة


