دعت الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا إلى التعامل مع مشاعر القلق والإحباط التي يعاني منها الشباب والفئات التي تشعر بالتهميش أو فقدان الأمل في المستقبل، في ظل تصاعد أعمال العنف والاضطرابات الاجتماعية، مؤكدة ضرورة الاستماع إلى المطالب المشروعة، وتعزيز الحوار الديمقراطي، والبحث عن حلول تعيد للمجتمع تماسكه وشعوره بالهدف والمعنى.

وجاءت الدعوة على خلفية أعمال عنف شهدتها فرنسا على هامش مظاهرات مصرح بها في 17 أكتوبر، وأسفرت عن إصابة أفراد من قوات الأمن، ونهب متاجر، وإلحاق أضرار بمنشآت عامة، واقتحام مبانٍ تمثل مؤسسات الدولة، وفقًا لبيان صادر عن مجلس أساقفة فرنسا.

وقال المجلس إن هذه الأحداث أثارت حالة من الصدمة والخوف والحزن، وأعادت طرح تساؤلات بشأن الأسباب العميقة للأزمة التي يمر بها المجتمع الفرنسي.

وفي هذا السياق، دعا رئيس أساقفة تور، فينسنت جوردي، إلى إعادة تفعيل دور المؤسسات الوسيطة، مثل النقابات والجمعيات، باعتبارها مساحات للحوار والتواصل بين المواطنين، فيما شدد رئيس أساقفة ليون، أوليفييه دو جيرماي، على أهمية استعادة البعد الروحي في الحياة العامة، والبحث عن إجابات للأسئلة المتعلقة بالسعادة والغاية من الحياة ومستقبل الأجيال الجديدة.

أزمة المجتمع الفرنسي

تأتي أعمال العنف الأخيرة عقب شهر من الاحتجاجات التي شارك فيها طلاب المدارس الثانوية، اعتراضًا على تدهور الأوضاع داخل مؤسساتهم التعليمية، بما في ذلك نقص المتطلبات الأساسية للدراسة، وغياب المعلمين، وانتشار الفوضى والتغيب.

والتقى عدد من الأساقفة الفرنسيين بشباب شاركوا في هذه الاحتجاجات، للاستماع إلى مخاوفهم وشكاواهم، التي تعكس، بحسب القيادات الكنسية، حالة أوسع من القلق بشأن المستقبل والشعور بعدم الاستقرار.

وقال رئيس أساقفة تور، فينسنت جوردي، أحد نواب رئيس مجلس أساقفة فرنسا، إن المجتمع الديمقراطي يجب أن يتيح للأشخاص الذين يعانون أو لديهم تساؤلات فرصة التعبير عن أنفسهم، سواء كانوا من الشباب أو من المشاركين في حركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية.

وأشار جوردي إلى أن المجتمع الفرنسي يواجه مجموعة متشابكة من مصادر القلق، تشمل التحولات في النظام العالمي، والأزمات الأوروبية، والحروب، والمخاوف البيئية، فضلًا عن هشاشة الأوضاع المعيشية.

وأضاف أن كثيرين باتوا يتساءلون عن شكل المستقبل، وجدوى إنجاب الأطفال، بل وعن الدوافع التي تجعل الإنسان ينهض كل صباح لمواجهة الحياة في ظل الظروف الراهنة.

ولفت إلى أن هذه المخاوف لا تقتصر على الشباب، بل تمتد إلى شرائح أخرى تشعر بتراجع الأوضاع وفقدان الاستقرار، محذرًا من تنامي حالة من الضيق الاجتماعي في ظل صعوبة الوصول إلى أرضية مشتركة تجمع المواطنين حول أهداف واحدة.

وأوضح أن الأفراد يميلون بصورة متزايدة إلى الانكفاء على مصالحهم الخاصة والدفاع عنها، على حساب القيم التي يفترض أن توحد المجتمع الديمقراطي، وفي مقدمتها الصالح العام.

أساقفة فرنسا يحذرون من دوامة العنف

لم تقتصر المخاوف التي أثارتها الاحتجاجات على المطالب الاجتماعية، بل امتدت إلى تصاعد أعمال العنف والتخريب، التي وصفها مجلس أساقفة فرنسا بأنها مسار تصاعدي يهدد بمزيد من الفوضى والمعاناة.

وقال جوردي إن بعض الأطراف تستغل حالة الاضطراب المؤقتة لتحقيق أهداف أخرى لا ترتبط بالمطالب المشروعة، مشيرًا إلى أن أعمال العنف قد تكون عشوائية، وتؤدي إلى تدمير ممتلكات وأعمال أنفق أصحابها سنوات في بنائها.

وأضاف أن الاعتداءات على المنشآت العامة وإحراق المباني ونهبها تشير، في بعض الحالات، إلى محاولات تتجاوز الاحتجاج على الأوضاع القائمة إلى تحدي النظام الاجتماعي نفسه.

وفي 19 أكتوبر، دعا مسؤولو مجلس أساقفة فرنسا الجميع إلى عدم الانجرار وراء دائرة العنف المدمرة، مؤكدين أن البلاد تستحق مسارًا مختلفًا يقوم على الحوار واحترام القانون بدلًا من التصعيد.

رئيس أساقفة ليون: المجتمع فقد القدرة على تحقيق السعادة.

من جانبه، حذر رئيس أساقفة ليون، أوليفييه دو جيرماي، من أن المجتمع الفرنسي يقترب من نهاية نموذج لم يعد قادرًا على تلبية تطلعات الإنسان إلى السعادة والشعور بمعنى الحياة.

وفي مقابلة صحفية، أشار إلى أن نمط الحياة المعاصر يقوم بدرجة كبيرة على الاستهلاك والمتعة الفردية والنزعة الفردانية، وهي عوامل يرى أنها تسهم في تعميق الإحباط وتوسيع الفجوات الاجتماعية، فضلًا عن الأضرار البيئية.

وأوضح أن هذا النموذج يدفع الإنسان إلى الانشغال بامتلاك المزيد من الأشياء، دون أن يضمن له الشعور بالرضا أو السعادة، لافتًا إلى أن بعض الأشخاص يمتلكون احتياجات الحياة الأساسية، لكنهم يظلون عاجزين عن إشباع تطلعاتهم المعنوية والنفسية.

وتعكس هذه الرؤية، بحسب المسؤول الكنسي، أزمة تتجاوز الجوانب الاقتصادية والاجتماعية لتصل إلى تساؤلات أعمق بشأن الغاية من الحياة، والاتجاه الذي يسلكه المجتمع، وما يمكن أن يمنح الأفراد شعورًا حقيقيًا بالانتماء والأمل.

إعادة الاعتبار للنقابات والجمعيات لتعزيز الحوار الديمقراطي.

وفي بيانها، أعربت رئاسة مجلس أساقفة فرنسا عن تضامنها مع العاملين الذين تعرضت جهودهم وخسائرهم للتدمير خلال أعمال العنف، داعية إلى إنهاء الاضطرابات، والاستماع إلى المطالب المشروعة والتعامل معها بجدية، واستعادة السلام من خلال الحوار واحترام العدالة.

وانتقد جوردي ما وصفه بإلقاء المسؤولية بين السياسيين بدلًا من العمل المشترك لإيجاد حلول تعيد الاستقرار الاجتماعي، وتسمح للحوار بأن يصبح ممارسة طبيعية داخل المجتمع الديمقراطي.

واقترح إعادة الاعتبار لما يُعرف بـ«المؤسسات الوسيطة»، وفي مقدمتها النقابات والجمعيات، التي يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا في نقل مطالب المواطنين والتوفيق بين المصالح المختلفة.

ويرى رئيس أساقفة تور أن هذه المؤسسات تراجعت قدرتها على أداء دورها خلال السنوات الماضية، في ظل تنامي مركزية القرار وتركيزه في المستويات العليا، وهو ما أضعف المساحات التي يمكن أن يلتقي فيها المواطنون لمناقشة خلافاتهم والتوصل إلى حلول مشتركة.

وشدد على ضرورة تنشيط هذه الكيانات مجددًا، حتى تستعيد دورها بوصفها قنوات للتواصل والحوار، وتسهم في الحد من الاستقطاب وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

الكنيسة تدعو إلى استعادة البعد الروحي في الحياة العامة

إلى جانب الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، يرى جوردي أن مواجهة الأزمة تتطلب فتح المجال أمام مناقشة أسئلة تتجاوز حدود السياسة، وتتعلق بهدف الحياة ومصير الإنسان والوجهة التي يسير إليها المجتمع.

وأوضح أن البعد الديني والروحي تراجع في فرنسا على مدى عقود، في ظل مقاربات متشددة أحيانًا لمفهوم العلمانية، مع الاعتماد على السياسة باعتبارها المسار الأساسي لتحقيق مجتمع أفضل.

لكنه أشار إلى أن المجال السياسي لم يعد قادرًا، في نظر كثيرين، على تقديم وعود بتحولات كبرى أو مستقبل مثالي، الأمر الذي أدى إلى تراجع الثقة في قدرته على إدارة التوترات الاجتماعية وتحقيق تطلعات المواطنين.

كما لفت إلى أن وعود التقدم لم تحقق جميع الآمال المرتبطة بها، مشيرًا إلى التحديات البيئية التي يواجهها الشباب نتيجة الآثار السلبية لبعض مظاهر التطور العلمي والتكنولوجي.

وأضاف أن الترويج المستمر لأجهزة وهواتف ذكية حديثة لا يستطيع بعض الشباب تحمل تكلفتها قد يعزز شعورهم بالإحباط، بدلًا من منحهم إحساسًا بالاندماج والقدرة على المشاركة في المجتمع.

ودعا جوردي إلى توسيع نطاق النقاش العام، بحيث لا يقتصر على السياسيين، بل يشمل كل الأطراف القادرة على الإسهام في استعادة المعنى في مجتمع يواجه، بحسب وصفه، نقصًا واضحًا في الشعور بالهدف والغاية.

رئيس أساقفة ليون: الإيمان بالله يمكن أن يعزز وحدة المجتمع.

بدوره، دعا أوليفييه دو جيرماي إلى إعادة وضع الله في قلب الحياة المجتمعية، معتبرًا أن الإيمان يمكن أن يوفر أرضية مشتركة تجمع أفراد المجتمع على اختلاف ثقافاتهم ودياناتهم وانتماءاتهم السياسية.

وتساءل عن الأساس الذي يمكن أن يوحد هذه الفئات المتنوعة، مجيبًا بأن الانتماء إلى الإنسانية المشتركة يمثل نقطة التقاء تتجاوز الاختلافات الدينية والثقافية والسياسية.

وتأتي هذه الدعوة في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن قدرة المؤسسات التقليدية، بما فيها الأحزاب السياسية، على احتواء مشاعر الإحباط والاستجابة لتطلعات المواطنين، ولا سيما الشباب.

وفي هذا الإطار، ترى القيادات الكنسية أن استعادة البعد الروحي لا تعني الاقتصار على الممارسات الدينية المؤسسية، بل تفتح المجال أيضًا لمناقشة القيم التي تمنح الحياة معناها، وتعزز التضامن والمسؤولية تجاه الآخرين.

الكنيسة الفرنسية تراهن على الشباب قبل انتخابات 2027.

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2027، دعا رئيس أساقفة ليون القيادات الدينية إلى تقديم نموذج عملي للتعايش، من خلال تنظيم مسيرة من أجل السلام تجمع ممثلين عن اليهود والمسيحيين والمسلمين.

وتهدف المبادرة المقترحة إلى التأكيد أن الاختلافات الدينية، سواء بين الأديان أو داخل الجماعات الدينية نفسها، لا ينبغي أن تتحول إلى سبب للعداء أو الصراع.

وشدد دو جيرماي على ضرورة أن يؤدي المسيحيون دورًا فاعلًا في نشر السلام، وتشجيع الحوار واحترام الآراء المختلفة، معتبرًا أن هذه المسؤولية يجب أن تتجه بصورة خاصة إلى الشباب.

وقال إن على المجتمع أن ينظر إلى الأجيال الجديدة بأمل، مؤكدًا أن الحوار معها يكشف عن تطلعها، مثل بقية الفئات العمرية، إلى السعادة، فضلًا عن امتلاكها قدرًا كبيرًا من الكرم والاستعداد للعطاء.

وأضاف أن مسؤولية الكبار تتمثل في تقديم رؤية واضحة للمستقبل للشباب، ومساعدتهم على إدراك أن لحياتهم قيمة ومعنى، بدلًا من تركهم تحت تأثير ثقافة تربط السعادة بالاستهلاك والانشغال بالذات.

خدمة الآخرين.. طريق لتعزيز الأمل لدى الأجيال الجديدة

واستشهد رئيس أساقفة ليون بتجارب شبابية تشارك في أنشطة خدمة المرضى في مدينة لورد، معتبرًا أن هذه المبادرات تساعد المشاركين على اكتشاف معنى العطاء وأثره في حياتهم.

وأوضح أن بعض طلاب المرحلة الثانوية يشاركون في هذه الأنشطة في البداية بتردد، لكنهم يعودون بتجارب مختلفة بعد اكتشافهم السعادة التي يمكن أن يحققها الاهتمام بالآخرين وتقديم المساعدة لهم.

وتعكس هذه التجارب، بحسب دو جيرماي، أهمية إتاحة الفرصة أمام الشباب للمشاركة في أنشطة إيجابية تمنحهم شعورًا بالمسؤولية والانتماء، وتساعدهم على تجاوز العزلة والانغلاق على الذات.

وفي ختام مواقفه، شدد المسؤول الكنسي على ضرورة عدم فقدان الأمل في الشباب، بل توفير فرص حقيقية أمامهم لخوض تجارب مثمرة، تتيح لهم اكتشاف قدراتهم والمساهمة في خدمة المجتمع.

وتسعى الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، من خلال هذه الدعوات، إلى طرح مقاربة تجمع بين معالجة المظالم الاجتماعية، وإحياء الحوار الديمقراطي، وتعزيز التضامن والبحث عن المعنى، في مواجهة أزمة تتداخل فيها مشاعر القلق بشأن المستقبل مع التوترات الاجتماعية وتصاعد العنف.

الأسئلة الشائعة

جاءت الدعوة بعد أعمال عنف شهدتها فرنسا على هامش مظاهرات مصرح بها في 17 أكتوبر وأسفرت عن إصابات ونهب وأضرار بممتلكات عامة ومبانٍ تمثل مؤسسات الدولة

طالب بالاستماع للمطالب المشروعة وإنهاء الاضطرابات واستعادة السلام عبر الحوار واحترام العدالة مع إعادة الاعتبار للنقابات والجمعيات كمؤسسات وسيطة

قالوا إن كثيرًا من الشباب والفئات المهمشة يعانون القلق وفقدان الأمل وإن المطلوب هو منحهم مساحة للتعبير ودعم شعورهم بالهدف والمعنى والانتماء