تشهد الأسواق العالمية ضغوطًا متزايدة نتيجة أزمة غرينلاند التي أثارت مخاوف جيوسياسية جديدة في القطب الشمالي مما يعيد حالة الضبابية إلى المشهد الاقتصادي الدولي ويؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاستثمارية اليومية للمستثمرين.
هذه التطورات دفعت المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للأصول المرتبطة بالدولار الأميركي وهو ما ينعكس على أداء العملة في أسواق الصرف حيث يتجه الدولار الثلاثاء 20 يناير لتسجيل أكبر انخفاض يومي في أكثر من شهر بعد أن أدت تهديدات البيت الأبيض لأوروبا بشأن مستقبل غرينلاند إلى موجة بيع واسعة النطاق للأسهم الأميركية والسندات الحكومية مما دفع اليورو والجنيه الإسترليني إلى الارتفاع.
فقد سجل مؤشر الدولار الأميركي ICE U.S. Dollar Index (DXY) الذي يقيس قوة العملة أمام سلة من العملات الرئيسية في آخر تداولاته الثلاثاء 20 يناير عند الساعة 11:24 صباحًا بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي مستوى 98.461 نقطة متراجعًا بمقدار 0.932 نقطة أو ما يعادل 0.94%

هذا الانخفاض يأتي بعد سلسلة من التراجعات بدأت منذ فبراير حيث فقد المؤشر جزءًا من زخمه قبل أن يشهد تقلبات متواصلة ومحاولات محدودة للتعافي في الأشهر الأخيرة.
الأزمة الجيوسياسية في غرينلاند تزيد من المخاطر المدركة لدى المستثمرين وتدفع بعضهم إلى التحوط عبر الذهب أو العملات الأوروبية مما يضعف الطلب على الدولار كملاذ آمن تقليدي كما أن المخاوف من تأثير الأزمة على سلاسل الإمداد العالمية خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالمنطقة القطبية تضيف ضغطًا إضافيًا على العملة الأميركية.
في الوقت نفسه انعكست هذه المخاوف على وول ستريت الثلاثاء 20 يناير حيث هبطت المؤشرات الرئيسية بشكل ملحوظ فقد فتحت الأسواق تعاملاتها على تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.4% وانخفض مؤشر ناسداك المركب بنحو 1.7% فيما فقد مؤشر داو جونز الصناعي أكثر من 590 نقطة أي ما يقارب 1.2%.
هذا الأداء السلبي يعكس انتقال تأثير الأزمة من أسواق العملات إلى أسواق الأسهم الأميركية ويؤكد أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالوضع في القطب الشمالي تضغط على مختلف الأصول الاستثمارية من الدولار إلى الأسهم في وقت يبحث فيه المستثمرون عن ملاذات أكثر أمانًا مثل الذهب والسندات الحكومية.
وقال محلل الأسواق لدى آي.جي في سيدني توني سيكامور إن المستثمرين يبيعون الأصول المقوّمة بالدولار بسبب مخاوف من استمرار حالة الضبابية لفترة طويلة فضلًا عن التحالفات المتوترة وتراجع الثقة في القيادة الأميركية واحتمالات فرض رسوم جمركية مضادة وتسارع اتجاهات فك الارتباط بالدولار.
وأضاف على الرغم من أن هناك آمال في أن الإدارة الأميركية قد تخفف من حدة هذه التهديدات قريبًا كما فعلت مع إعلانات الرسوم الجمركية السابقة فمن الواضح أن تأمين غرينلاند لا يزال هدفًا أساسيًا للأمن القومي للإدارة الحالية.
وكان ترامب قد قال إنه سيفرض رسومًا إضافية بنسبة 10% اعتبارًا من الأول من فبراير على الواردات القادمة من الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وهولندا وفنلندا وبريطانيا على أن ترتفع هذه الرسوم إلى 25% بدءًا من الأول من يونيو في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
تبع ذلك تنديد دول رئيسية عدة في الاتحاد الأوروبي الأحد بالتهديدات الجمركية المرتبطة بقضية غرينلاند ووصفتها بأنها شكل من أشكال الابتزاز واقترحت فرنسا الرد عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية المضادة بعضها غير مُجرَّب من قبل.
وكانت شبكة CNBC قد نقلت أن ضعف العملة الأميركية قد أسهم في دعم عملتي الين الياباني والفرنك السويسري اللتين تُعدّان من أصول الملاذ الآمن في حين تراجعت عملة بتكوين التي تُستخدم كمؤشر سائل على شهية المخاطرة بنحو 3% إلى 92602.64 دولارًا.
وقال خون غوه رئيس أبحاث آسيا في بنك إيه إن زي في حين قد يُقال إن الرسوم الجمركية تهدد أوروبا فإن العملة التي تتحمل العبء الأكبر فعليًا هي الدولار.
وبذلك يظهر أن أزمة غرينلاند لا تقتصر على البعد السياسي بل تمتد لتؤثر على الأسواق المالية العالمية حيث يمثل تراجع الدولار وهبوط وول ستريت خلال اليومين الأخيرين إشارة واضحة إلى هشاشة الثقة في الاقتصاد الأميركي وسط تصاعد التوترات الدولية.

