استقر سعر الدولار الأمريكي دون مستوى 47 جنيهًا في جميع البنوك المحلية خلال تعاملات يوم الاثنين، مما يعكس توازنًا نسبيًا في سوق الصرف ويشير إلى توقعات متزايدة بتحسن أداء الجنيه المصري في الفترة المقبلة، وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية للمستثمرين والمواطنين على حد سواء.

تشير تقديرات هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس للأوراق المالية، إلى إمكانية استمرار قوة الجنيه أمام الدولار خلال العام الجاري مدفوعًا بعوامل داخلية إيجابية وضعف العملة الأمريكية على الصعيد العالمي، مع توقع وصول سعر الصرف إلى نحو 45 جنيهًا للدولار بنهاية 2026.

وأوضح جنينة أن قرار البنك المركزي المصري بخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي بنسبة 2% لن يؤثر سلبًا على سعر الصرف طالما أن إدارة السيولة تتم بكفاءة داخل الجهاز المصرفي، مؤكدًا أن التأثير الفعلي يعتمد على آليات توجيه هذه السيولة في السوق، مما يجعل فهم تأثير السياسة النقدية على سوق الصرف ضرورة استثمارية ملحة في ظل هذه الظروف.

تحولات في السيولة المصرفية وتمويل الموازنة

أشار جنينة إلى أن البنوك التجارية خلال العامين أو الثلاثة أعوام الماضية كانت تودع فوائض سيولة ضخمة لدى البنك المركزي عبر آلية الودائع الأسبوعية، وتحصل في المقابل على عائد يعادل نصف سعر الكوريدور، مما أدى إلى تراكم سيولة كبيرة خارج دورة التمويل الفعلي للاقتصاد.

وخلال 2025، انخفضت هذه الفوائض بصورة حادة من نحو تريليون جنيه إلى ما يقارب 80 مليار جنيه فقط، أي تراجع بنحو 90% خلال عام واحد، وهو تحول جوهري في خريطة استخدام السيولة داخل القطاع المصرفي.

ويرى جنينة أن هذا التطور يعكس توجه البنوك إلى تمويل عجز الموازنة العامة بشكل أكبر بدلًا من إيداع الأموال لدى البنك المركزي، وهو أمر إيجابي مقارنة بالفترات السابقة التي كان يُمول فيها جزء من العجز عبر البنك المركزي مباشرة، قبل أن يتوقف عن ذلك الإجراء في العام الماضي.

توقعات بخفض إضافي للاحتياطي الإلزامي

توقع جنينة أن يشهد العام الحالي مزيدًا من التخفيض في نسبة الاحتياطي الإلزامي بما يتراوح بين 1% و2% إضافية، بما يعيد النسبة إلى مستوى 14% الذي كان قائمًا قبل سبتمبر 2022، بهدف إتاحة سيولة أكبر للبنوك لتعزيز دورها التمويلي.

ويرتبط هذا التوجه بارتفاع الطلب على التمويل من جانب الحكومة والشركات والأفراد، ومع تحسن النشاط الاقتصادي وزيادة وتيرة الاستثمار، يتوقع أن يتصاعد الضغط على الموارد التمويلية، مما يستلزم أدوات نقدية توسعية توفر سيولة إضافية للنظام المصرفي.

وأكد أن السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة ستكون مطالبة بالموازنة بين تحفيز النمو والحفاظ على الاستقرار النقدي، خصوصًا في ظل التوسع المتوقع في الإقراض.

أثر خفض الفائدة على ربحية البنوك

توقع جنينة أن يؤدي خفض أسعار الفائدة بالتوازي مع تقليص الاحتياطي الإلزامي إلى تراجع هوامش الربحية لدى البنوك خلال 2026 مقارنة بالفترات السابقة، مشيرًا إلى أن هوامش صافي العائد من الفوائد في مصر كانت من بين الأعلى إقليميًا وعالميًا.

وضرب مثالًا بأكبر بنك مدرج في البورصة المصرية، حيث بلغ هامش صافي العائد لديه نحو 9%، وهو مستوى مرتفع للغاية يعكس ظروفًا نقدية استثنائية.

غير أن انخفاض الفائدة قد يحفز زيادة الإقراض، وهو ما يمكن أن يعوض جزءًا من تراجع الهوامش عبر نمو أحجام التمويل، إذ إن تقييم البنوك لا يعتمد فقط على الربحية، بل كذلك على مستوى المخاطر واستدامة توزيعات الأرباح.

توزيعات الأرباح وتقييمات السوق

أشار جنينة إلى أن البنوك المصرية حققت خلال العامين الماضيين أرباحًا قياسية، لكنها كانت تتداول عند مضاعفات ربحية منخفضة نسبيًا في السوق، نظرًا لاعتقاد المستثمرين أن جزءًا من هذه الأرباح كان يُعاد ضخه في رأس المال لأغراض التحوط.

وأوضح أنه حتى في حال تباطؤ نمو الأرباح خلال 2026، فإن نسبة أكبر من الأرباح قد يتم توزيعها على المساهمين، ما يعزز جاذبية القطاع المصرفي ويدعم التقييمات السوقية.

وكشف أن الأهلي فاروس تعمل على إعداد دراسة تفصيلية لقياس أثر خفض الاحتياطي الإلزامي على مجموعة من البنوك، مشيرًا إلى أن خفض النسبة بـ2% يمثل رقمًا كبيرًا في ضوء مستويات السيولة المرتفعة التي تحتفظ بها البنوك لدى البنك المركزي.

الجنيه بين السيولة والتضخم

فيما يتعلق بتأثير خفض الفائدة والاحتياطي الإلزامي على الجنيه، أوضح جنينة أن التأثير سيكون طويل الأمد، لأن ضخ سيولة إضافية في السوق قد يخلق ضغوطًا تضخمية إذا لم يتم التحكم بها بشكل متوازن.

وأكد أن البنك المركزي يسعى لتحقيق توازن دقيق بين دعم النمو الاقتصادي وكبح التضخم، مشددًا على أنه حتى الآن لا توجد مؤشرات سلبية على الجنيه، بل على العكس، التوقعات تشير إلى استمرار قوته خلال العام الجاري.

وتوقع أن يصل سعر الدولار إلى نحو 45 جنيهًا بنهاية 2026، مدعومًا بعوامل داخلية إيجابية وضعف الدولار عالميًا.

أسعار الدولار داخل البنوك

سجلت أسعار الدولار في البنوك المصرية استقرارًا ملحوظًا خلال تعاملات اليوم، في ظل حالة من الهدوء النسبي في سوق الصرف.

بلغ أعلى سعر للشراء في مصرف أبوظبي الإسلامي 46.77 جنيه، بينما سجل سعر البيع 46.87 جنيه.

وفي البنك الأهلي المصري استقر سعر الشراء عند 46.74 جنيه وسعر البيع عند 46.84 جنيه، وهي نفس المستويات المسجلة تقريبًا في البنك التجاري الدولي.

بهذا المشهد، يبدو أن سوق الصرف في مصر يدخل مرحلة إعادة توازن، حيث تتقاطع سياسات نقدية أكثر مرونة مع توقعات بتحسن تدريجي في قوة الجنيه خلال السنوات المقبلة، في ظل إدارة حذرة للسيولة ومراقبة دقيقة لمخاطر التضخم.