تتجاوز تأثيرات الدولار الأميركي حدود الولايات المتحدة، حيث أصبح جواز مرور مالي يُستخدم رسمياً في دول بعيدة جغرافياً، مما يعكس قوة العملة وأثرها على الأسواق العالمية والقرارات الاقتصادية اليومية، ويثير تساؤلات حول الأسباب وراء اعتماد العديد من الدول لهذه العملة كوسيلة تبادل رئيسية.

قد لا تحتاج إلى أن تكون في نيويورك أو واشنطن كي تدفع بالدولار الأميركي، لم تعد العملة التي وُلدت عام 1792 مجرد وسيلة تبادل داخل الولايات المتحدة، بل تحولت إلى جواز مرور مالي يُستخدم رسمياً في دول وأقاليم بعيدة جغرافياً وسياسياً عن أميركا

وبينما يُنظر إلى الدولار على أنه العملة الأكثر تداولاً واحتياطاً في العالم، فإن حضوره كعملة رسمية خارج حدوده يكشف كثيراً عن موازين القوة الاقتصادية والاضطرابات النقدية حول العالم.

من بنما إلى زيمبابوي.. لماذا تختار الدول الدولار؟

كانت بنما أول دولة في أميركا اللاتينية تعتمد الدولار الأميركي عملة رسمية عام 1904

ورغم احتفاظها بعملة محلية هي البالبوا، فإنها تقتصر على سك العملات المعدنية فقط، ما يجعل الدولار العمود الفقري للمعاملات اليومية.

في الكاريبي، تستخدم بورتوريكو الدولار بحكم كونها إقليماً أميركياً منذ 1898، ويعيش نحو نصف سكانها البالغ عددهم 3.3 مليون نسمة تحت خط الفقر، بعدما خرجت من الإفلاس في 2022 ولا يزال اقتصادها يتعافى تدريجياً.

أما الإكوادور فقد لجأت إلى الدولار عام 2000 بعد سنوات من التضخم الجامح تحت عملتها السابقة «السوكري»، أوقف اللجوء إلى الدولار الانهيار السعري لكنها فتحت الباب أمام مشكلات أخرى، من بينها انتشار العملة المزوّرة.

وفي آسيا، اعتمدت جزيرة تيمور الدولار عام 2000 بعد فترة من استخدام الروبية الإندونيسية، ثم أصدرت عملة «سنتافو» المعدنية في 2003.

كما تستخدم بالاو الدولار منذ 1944، وتُعد من أعلى دول المحيط الهادئ من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي.

وينطبق الأمر ذاته على جزر مارشال التي استمرت في استخدامه حتى بعد انتهاء الوصاية الأميركية في 1986، وكذلك ولايات ميكرونيسيا المتحدة التي تُعد دولة ذات سيادة لكنها تعتمد الدولار رسمياً.

أقاليم أميركية واقتصادات مرتبطة

في المحيط الهادئ، تستخدم غوام الدولار منذ 1950، إلا أن تكلفة المعيشة هناك تفوق مثيلتها في الولايات المتحدة، إذ تزيد أسعار البقالة بأكثر من 20% نتيجة الاعتماد على الواردات.

كما تعتمد ساموا الأميركية وجزر ماريانا الشمالية الدولار بحكم وضعهما كأقاليم أميركية.

وفي الكاريبي، تستخدم جزر فيرجن الأميركية الدولار منذ 1917 عندما اشترتها الولايات المتحدة من الدنمارك.

والمفارقة أن جارتها جزر فيرجن البريطانية، رغم تبعيتها لبريطانيا، تعتمد الدولار منذ 1959 بدلاً من الجنيه الإسترليني.

وينطبق الأمر نفسه على جزر الترك وكايكوس التي فضّلت الدولار نظراً لكون الولايات المتحدة شريكها التجاري الأول.

الكاريبي الهولندي.. الدولار بدلاً من اليورو

اختارت بونير في 2011 التخلي عن الغيلدر الأنتيلي الهولندي دون تبني اليورو، مفضّلة الدولار لتسهيل التجارة الإقليمية، كما تستخدم سابا وسينت أوستاتيوس الدولار ضمن البلديات الخاصة التابعة لهولندا في الكاريبي.

حين ينهار الاقتصاد.. يصبح الدولار ملاذاً

في إفريقيا، تمتلك ليبيريا عملتين متداولتين، إذ إن الدولار الليبيري رسمي، والدولار الأميركي بصفة قانونية.

أما زيمبابوي فقد اتجهت إلى الدولار بعد انهيار اقتصادها في 2008 تحت وطأة تضخم مفرط جعل الدولار الأميركي الواحد يعادل 2.6 ديسيليون دولار زيمبابوي.

ورغم إطلاق عملة «زيمبابوي غولد» في 2024، فلا يزال الدولار واسع القبول في المعاملات.

أيضاً، توجد دول مثل لبنان، كمبوديا، المكسيك، كوستاريكا، نيكاراغوا، جزيرة أروبا، باهاماس، بربادوس، جامايكا وغيرها، يُقبل الدولار فيها في قطاعات معينة أو بشكل شائع في التجارة أو السياحة، لكنه ليس العملة الرسمية للدولة

ومن الجدير بالذكر، هناك فرق جوهري بين الاستخدام الرسمي والاستخدام غير الرسمي للدولار الأميركي.

الاستخدام الرسمي يعني أن الدولار هو العملة القانونية المعتمدة من الدولة لإجراء المعاملات ودفع الرواتب والضرائب وتسعير السلع، وأحياناً يكون العملة الوحيدة المتداولة أو إلى جانب عملة محلية محدودة الدور، كما هو الحال في بنما وأكوادور والسلفادور.

أما الاستخدام غير الرسمي، فيعني أن الدولار ليس عملة قانونية معتمدة بالكامل، لكنه يُستخدم على نطاق واسع في التسعير أو الادخار أو المعاملات الكبيرة، غالباً بسبب ضعف العملة المحلية أو ارتفاع التضخم، كما في لبنان أو زيمبابوي في فترات معينة.

باختصار، الرسمي هو اعتماد قانوني كامل، أما غير الرسمي فهو انتشار فعلي في السوق دون أن يكون العملة المعترف بها دستورياً أو نقدياً كعملة وحيدة للدولة.

اعتماد الدولار رسمياً ليس مجرد تفضيل نقدي، بل قرار سيادي يعكس إما ارتباطاً سياسياً بواشنطن، أو حاجة إلى استقرار مفقود، أو رغبة في تسهيل التجارة مع أكبر اقتصاد في العالم.

لكنه في المقابل يقيّد السياسة النقدية لتلك الدول، إذ تتخلى فعلياً عن أداة سعر الفائدة وسعر الصرف.