شهدت الأسواق العالمية في يناير 2026 تراجعًا ملحوظًا في قيمة الدولار الأمريكي، مما أثار قلق المستثمرين وأثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية في العديد من الدول، حيث تعكس هذه التحولات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة حالة من عدم اليقين التي تؤثر على توقعات العملة الأمريكية ومسارها المستقبلي.
وذكرت وكالة رويترز أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أبقى على أسعار الفائدة دون تغيير، مع تأكيده على أن مستويات التضخم لا تزال مرتفعة، وهو ما يعكس حالة من الحذر في السياسات النقدية، مما يزيد من الضغوط على الأسواق المالية، ويتجلى تأثير ضعف الدولار في الاقتصاد اليومي للعديد من الدول العربية عبر الدين والواردات والسياحة وأسعار السلع الأساسية.
وتختلف استجابة الاقتصادات العربية تجاه الدولار وفقًا لأنظمة الصرف المختلفة وتركيبة الاقتصاد، حيث ترتبط العديد من هذه الاقتصادات بالدولار مثل السعودية والإمارات وقطر، مما يعني أن ضعف الدولار لا يظهر محليًا كقوة عملة، بل يتجلى في تغير كلفة التعامل مع العملات الأخرى مثل اليورو والين واليوان، مما ينعكس على الأسعار المحلية.
في المقابل، تعاني اقتصادات أخرى مثل مصر والمغرب وتونس من ضغوط في أسواق الصرف، حيث تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والغذاء، مما يجعل تأثير الدولار الضعيف مشروطًا بعوامل داخلية وخارجية متعددة.
وأوضح صندوق النقد الدولي أن تحركات الدولار تؤثر في مسار التضخم وخدمة الدين والوضع الخارجي بطرق غير متجانسة، وهذا يتوقف على أنظمة الصرف وهيكل الاقتصاد في كل دولة.
وسجل الدولار مؤخرًا ارتفاعًا ملحوظًا، ولكنه لا يزال أقل بكثير من مستوياته قبل عام، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.
الديون الخارجية تتأثر بشروط الاستقرار
ويكشف ملف الدين الخارجي طبقة أعمق من التأثير، فالدول التي تمتلك ديونا خارجية مقومة بالدولار قد تستفيد نظريًا من تراجع العملة الأمريكية إذا كانت عملتها المحلية مستقرة، كما قد يحدث في اقتصادات تتمتع بتدفقات نقد أجنبي مستقرة أو احتياطيات مريحة مثل الإمارات والسعودية، أو في بلدان تعمل على استقرار أسواق الصرف مثل المغرب.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن تحركات الدولار تؤثر مباشرة في كلفة خدمة الدين الخارجي وفي مسار التضخم، خصوصًا في الاقتصادات المستوردة للنفط ذات الأنظمة النقدية الأكثر مرونة مثل مصر وتونس.
فعندما يضعف الدولار، تنخفض القيمة المحلية للأقساط والفوائد المدفوعة به، ما يمنح الموازنة متنفسًا نسبيًا، لكن هذه الفائدة تبقى مشروطة باستقرار العملة المحلية وتوافر النقد الأجنبي، إذ إن ضعف العملة المحلية أو ارتفاع علاوات المخاطر -كما يمكن أن يحدث في اقتصادات تواجه ضغوطًا تمويلية- قد يبدد أي مكسب نظري.
أسعار الطاقة والغذاء تحسم النتيجة
ويظهر الاختبار الحاسم عند تقاطع ضعف الدولار مع أسعار السلع الأساسية، فقد أفادت صحيفة “الغارديان” في تغطيتها للأسواق بتاريخ 29 يناير 2026 أن خام برنت تجاوز 70 دولارًا للبرميل وسط مخاوف جيوسياسية، ما يوضح أن أسعار النفط يمكن أن ترتفع حتى في بيئة دولار ضعيف.
بالنسبة للاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء مثل الأردن والمغرب وتونس ولبنان، يعني هذا أن فاتورة الاستيراد قد ترتفع بالدولار نفسه، ما يبدد أي مكسب نظري من ضعف العملة الأمريكية، وعندما ترتفع أسعار النفط والحبوب معًا، ينعكس ذلك سريعًا على تكاليف النقل والكهرباء والمواد الغذائية، فتظهر الضغوط التضخمية على المستهلكين بغض النظر عن حركة الدولار.
الواردات تدفع الأسعار إلى الأعلى
وفي الاتجاه المعاكس، يرفع ضعف الدولار كلفة التعامل مع العملات الأخرى عندما تكون سلاسل التوريد مرتبطة باليورو أو الين أو اليوان، وأوضح صندوق النقد الدولي أن الدول التي تربط عملاتها بالدولار، مثل السعودية والإمارات وقطر، لا تشهد تغيرًا مباشرًا في سعر الصرف المحلي، لكن أثر تحركات الدولار يظهر عبر كلفة الواردات المسعرة بعملات غير الدولار.
هذا يعني أن السلع الأوروبية والآسيوية -من السيارات الألمانية والأجهزة الإلكترونية اليابانية إلى المعدات الصناعية- قد ترتفع أسعارها محليًا عندما يقوى اليورو أو الين أمام الدولار، هكذا يتشكل ما يشبه تضخمًا مستوردًا غير مباشر، حيث لا يرتفع سعر الدولار محليًا، لكن ترتفع فاتورة الاستيراد عبر قنوات العملات الأخرى.
السياحة تتحرك مع فروقات العملات
وذكرت صحيفة “ذا ناشيونال” أن ضعف الدولار يمنح ميزة سعرية للوجهات المسعرة بعملات مرتبطة به، لأن السائح القادم من أوروبا أو بريطانيا يمتلك قدرة إنفاق أعلى عندما يقوى اليورو أو الجنيه الإسترليني مقابل الدولار.
هذا الواقع يجعل كلفة الفنادق والمطاعم والأنشطة السياحية أقل نسبيًا للزوار غير القادمين من اقتصادات تعتمد الدولار، مما يعزز تدفقات السياحة الوافدة ويدعم قطاع الخدمات المرتبط بها، كما يظهر في الوجهات التي تستقطب أعدادًا كبيرة من السياح الأوروبيين مثل المغرب ومصر.
وتبقى هذه الفائدة مرتبطة بعوامل مثل الاستقرار الجيوسياسي وتكلفة الطيران وثقة المستهلك العالمي، لكنها تمثل إحدى القنوات التي يمكن أن يتحول فيها ضعف الدولار إلى دعم مباشر لنشاط اقتصادي يعتمد على الإنفاق الخارجي.
في المحصلة، لا يعمل الدولار الضعيف كعامل إيجابي أو سلبي بحد ذاته، بل يعيد توزيع الأثر بين قطاعات وفئات مختلفة، وتظهر التقارير التي أوردتها رويترز وتحليلات صندوق النقد الدولي أن فهم التأثير الحقيقي يتطلب متابعة أسعار الطاقة والغذاء، وهيكل الدين الخارجي، وطبيعة نظام الصرف، لأن هذه العوامل مجتمعة هي التي تحدد ما إذا كان ضعف الدولار يتحول إلى فرصة اقتصادية أم إلى ضغط إضافي على الموازنات والأسر.

