تواجه السوق العقارية في مصر تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع سعر الدولار، مما يؤثر بشكل مباشر على تكاليف التنفيذ ويجعل الشركات مضطرة لتعديل استراتيجياتها التسعيرية أو تأجيل مشروعات جديدة، وهو ما يثير قلق المستثمرين ويؤثر على حركة الأموال في السوق.

يؤكد خبراء ومقاولون أن الزيادة المستمرة في سعر العملة الأمريكية أمام الجنيه تلقي بظلالها على تكاليف المشروعات، حيث قد تضطر الشركات لتغيير سياسات التسعير أو تأجيل إطلاق مشروعات جديدة، وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية مواجهة هذه التحديات.

قال محمد البستاني، رئيس مجلس إدارة شركة البستاني للتنمية العقارية، إن ارتفاع سعر الدولار ينعكس بشكل مباشر على تكلفة تنفيذ المشروعات العقارية، خاصة مع بدء ارتفاع أسعار بعض الخامات الرئيسية مثل الحديد وعدد من مواد البناء، وهو ما يضع الشركات أمام خيارات صعبة.

وأوضح أن زيادة تكلفة التنفيذ قد تدفع الشركات إلى تقليص التسهيلات المقدمة للعملاء بدلًا من رفع الأسعار بشكل مباشر في الوقت الحالي، خاصة في ظل حالة التباطؤ التي شهدها السوق العقاري خلال الفترة الماضية، مما يزيد من حدة المنافسة بين الشركات.

أضاف أن العديد من شركات التطوير تتبنى حاليًا سياسة الترقب في تسعير المشروعات الجديدة لحين اتضاح اتجاهات سعر الصرف، مشيرًا إلى أن المطورين يفضلون في بعض الأحيان التركيز على بيع المخزون الحالي قبل التوسع في إطلاق مشروعات جديدة، نظرًا للالتزامات المالية المرتبطة بالأراضي وأعمال التنفيذ.

وأشار البستاني إلى أن استمرار ارتفاع الدولار قد يؤدي لاحقًا إلى زيادة أسعار الوحدات العقارية إذا ما ارتفعت تكلفة التنفيذ بصورة أكبر، لافتًا إلى أن حجم الزيادة سيظل مرتبطًا بمدى استقرار سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، مما يجعل السوق في حالة ترقب.

ولفت إلى أن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة قد يكون لها تأثير مزدوج على السوق العقاري، لأنها قد تدفع بعض المستثمرين العرب إلى زيادة الطلب على العقارات في مصر باعتبارها السوق الأكثر استقرار، بينما قد تؤثر في المقابل على تحويلات العاملين بالخارج، والتي تمثل مصدر مهم للعملة الأجنبية وتدعم الطلب على العقار داخل السوق المحلي.

عبدالعزيز: استمرار الصعود سيرفع أسعار مواد البناء والعقارات

وقال حسن عبدالعزيز، رئيس الاتحاد الإفريقي لمقاولي التشييد والبناء، إن ارتفاع سعر الدولار ينعكس بشكل مباشر على تكلفة تنفيذ المشروعات، نتيجة اعتماد جزء من مدخلات قطاع البناء على مكونات أو مستلزمات مستوردة، مما يجعل السوق في حالة تأهب.

وأوضح أن زيادة سعر الصرف تؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع أسعار معظم مواد البناء، مشيرًا إلى أن بعض الصناعات المحلية مثل الحديد والأسمنت تعتمد أيضًا على مدخلات مستوردة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والشحن المرتبطة بتحركات الدولار عالميًا، مما يزيد من الضغوط على الشركات.

وأضاف أن آلية فروق الأسعار المطبقة في عقود المقاولات تضمن في الأساس تحقيق قدر من التوازن بين أطراف التعاقد، إذ يحصل المقاول على تعويض حال ارتفاع أسعار المواد مثل الحديد أو الأسمنت، بينما يتم خصم الفروق حال انخفاضها، نظرًا لارتباط بعض هذه المواد بأسعار عالمية، مما يخلق حالة من عدم اليقين.

وأشار عبدالعزيز، إلى أن تأثير ارتفاع الدولار يختلف من مشروع لآخر وفقًا لطبيعة الاستخدامات، لافتًا إلى أن المشروعات التي تتضمن مكونات كهروميكانيكية تعتمد بدرجة أكبر على مستلزمات مستوردة، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بتقلبات سعر الصرف، مما يزيد من تحديات التنفيذ.

وتوقع أن ينعكس استمرار صعود الدولار على زيادة أسعار مواد البناء وبالتالي أسعار العقارات، موضحًا أن حجم الزيادة سيظل مرتبطًا بمستويات سعر الصرف خلال الفترة المقبلة، مما يجعل السوق تحت ضغط مستمر.

ولفت إلى أن انتظام صرف مستحقات المقاولين وتطبيق آليات فروق الأسعار يعد عاملًا رئيسيًا في استمرار تنفيذ المشروعات دون تأخير، بينما قد تؤدي الضغوط المالية على الشركات إلى تباطؤ معدلات التنفيذ في حال عدم تغطية فروق التكلفة، مما يعكس حالة من القلق في السوق.

كما أن حالة عدم اليقين بشأن اتجاهات سعر الصرف قد تدفع بعض المطورين إلى إعادة حساب تكلفة المشروعات أو تعديل أسعار الطرح، خاصة في المشروعات التي لم يتم الإعلان عنها بعد، مما يزيد من تعقيد الوضع.

وأوضح رئيس الاتحاد الإفريقي لمقاولي التشييد والبناء، أن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة قد تدعم الطلب على العقار في مصر، إذ يتجه بعض الأفراد من الدول الخليجية التي تشهد توترات، إلى شراء عقارات داخل السوق المصري باعتبارها وجهة أكثر استقرارًا، مما يعكس تباين الاتجاهات في السوق.

لقمة: عدم وضوح اتجاهات سعر الصرف يدفع الشركات لتأجيل الطروحات الجديدة

وقال محمد لقمة، رئيس مجلس إدارة شركة ديتيلز للمقاولات والإنشاءات، إن تأثير ارتفاع سعر الدولار على قطاع التشييد لا يرتبط فقط بزيادة التكلفة، وإنما بمدى توافر العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد بعض مستلزمات البناء، مما يزيد من الضغوط على الشركات.

وأوضح أن السوق اعتاد على تقلبات سعر الصرف خلال السنوات الماضية، لكن التحدي الأكبر يتمثل في توفير الدولار لاستيراد المعدات والمواد التي لا يتم إنتاجها محليًا، مشيرًا إلى أن أي صعوبات في توافر العملة قد تنعكس على سرعة تنفيذ المشروعات، مما يزيد من حالة التوتر في السوق.

أضاف لقمة، أن نسبة المكونات المستوردة في قطاع البناء تتراوح عادة بين 15% و20% في المباني السكنية، بينما قد ترتفع إلى 35% و40% في المشروعات الإدارية والتجارية نتيجة الاعتماد على أنظمة وتجهيزات مستوردة، مما يزيد من تعقيد الوضع.

وأشار إلى أن ارتفاع الدولار، إلى جانب زيادة أسعار الطاقة والبترول عالميًا، ينعكس على تكلفة عدد من مدخلات البناء، بما في ذلك المعدات والمستلزمات المستوردة وبعض مشتقات البترول المستخدمة في أعمال الإنشاء، مما يزيد من الضغوط على الشركات.

ولفت إلى أن طبيعة العقود هي التي تحدد الطرف الذي يتحمل الزيادة في التكلفة، موضحًا أن العلاقة بين المطورين والمقاولين عادة ما تكون محسوبة ضمن بنود التعاقد، بينما قد تلجأ الدولة إلى تطبيق قانون التعويضات في حال حدوث زيادات كبيرة في التكاليف بالمشروعات الحكومية، مما يعكس حالة من عدم اليقين.

وتوقع حدوث تأخيرات في تنفيذ بعض المشروعات إذا استمرت التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد، خاصة مع تأثر حركة الشحن في بعض المناطق، ما قد ينعكس على توريد المستلزمات المستوردة، مما يزيد من تعقيد الوضع.

كما أشار إلى أن حالة عدم وضوح الرؤية بشأن سعر الصرف دفعت بعض شركات التطوير العقاري إلى التريث في طرح مشروعات جديدة وتأجيل البيع لحين اتضاح اتجاهات التكلفة خلال الفترة المقبلة، مما يعكس حالة من الحذر في السوق.

راشد: ارتفاع الدولار يدفع شركات التطوير إلى إعادة تسعير الوحدات

وقال محمد راشد، عضو المجلس التنفيذي بالمجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، إن ارتفاع الدولار يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة على تكلفة التطوير العقاري في مصر، نظرا لأن صناعة البناء تعتمد على عدد كبير من المواد الخام والمكونات التي يتم تسعيرها عالميًا بالدولار، مما يزيد من التحديات.

أضاف أن قطاع التشييد والبناء في مصر يعد من أكبر القطاعات الاقتصادية، حيث يقدّر حجم سوق الإنشاءات بأكثر من 50 مليار دولار، مع توقعات بنموه إلى ما يتجاوز 80 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، مدفوعا بحجم المشروعات القومية والتوسع العمراني الذي تشهده الدولة، مما يزيد من أهمية هذا القطاع.

وأوضح راشد أن تأثير الدولار على تكلفة المشروعات لا يقتصر على المواد المستوردة فقط، بل يمتد أيضًا إلى الصناعات المحلية، لأن العديد من الصناعات المرتبطة بالبناء تعتمد في إنتاجها على خامات أو مكونات مستوردة يتم تسعيرها بالدولار، ما يؤدي إلى انتقال أثر تغير سعر الصرف إلى كامل منظومة البناء، مما يزيد من تعقيد الوضع.

كما أن نسبة المكونات المستوردة في المشروعات العقارية تختلف حسب نوع المشروع ومستوى التشطيب، لكنها تتراوح في المتوسط بين 25% و40% من إجمالي تكلفة التنفيذ، وتشمل هذه المكونات المصاعد والأنظمة الكهروميكانيكية وأنظمة التكييف المركزي والواجهات الزجاجية وأنظمة الأمن والتحكم الذكي، بالإضافة إلى بعض مواد التشطيب الفاخرة والأدوات الصحية، مما يزيد من تعقيد المشهد.

ولفت إلى أن هذه النسبة قد ترتفع في الأبراج متعددة الاستخدامات والمشروعات الفاخرة التي تعتمد على أنظمة تقنية متقدمة، بينما تنخفض في مشروعات الإسكان المتوسط التي تعتمد بدرجة أكبر على المواد المحلية، مما يعكس تباين الوضع في السوق.

وأكد أن ارتفاع الدولار يدفع شركات التطوير العقاري في كثير من الأحيان إلى إعادة تسعير الوحدات العقارية، خاصة أن دورة تنفيذ المشروعات تمتد عادة بين أربع وسبع سنوات، ما يجعل المطورين أكثر عرضة لتقلبات سعر الصرف خلال فترة التنفيذ، مما يزيد من التحديات.

وأوضح أن الشركات أصبحت تعتمد على آليات أكثر مرونة في التسعير، أبرزها طرح المشروعات على مراحل متعددة بدلاً من تسعير المشروع بالكامل منذ البداية، مع مراجعة الأسعار بشكل دوري بما يتناسب مع تطورات التكلفة في السوق، مما يعكس حالة من التكيف في السوق.

كما تلجأ بعض الشركات إلى زيادة هامش الأمان في التسعير، بحيث يتم تضمين نسبة احتياطية لمواجهة أي زيادات محتملة في تكلفة التنفيذ نتيجة تقلبات سعر الصرف أو ارتفاع أسعار المواد الخام، مما يعكس حالة من الحذر في السوق.

وأشار راشد إلى أن شركات التطوير العقاري أصبحت أكثر خبرة في إدارة مخاطر تقلبات العملة خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد موجات التعويم التي شهدها الاقتصاد المصري، موضحا أن المطورين يعتمدون حاليًا على عدة أدوات لتقليل هذه المخاطر، من بينها التعاقد المبكر مع الموردين والمقاولين لتثبيت الأسعار قدر الإمكان، إضافة إلى شراء وتخزين بعض المواد الأساسية في المراحل الأولى من تنفيذ المشروع، مما يعكس استراتيجيات جديدة في السوق.