تشير التطورات الأخيرة في الأسواق المالية إلى تحول جذري في العلاقة بين الدولار الأميركي وبيانات سوق العمل مما قد يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية حيث لم يعد الدولار يستجيب بشكل إيجابي لصدور بيانات وظائف قوية كما كان الحال سابقًا وهو ما يعكس تغيرًا في نظرة المستثمرين تجاه السياسة النقدية الأميركية وآفاق الاقتصاد.

ووفق تقرير نشرته Bloomberg، يعكس هذا التغيير نهاية نمط استمر لأكثر من عقد حيث يرى Robin Brooks، الاستراتيجي السابق في Goldman Sachs والزميل الحالي في Brookings Institution، أن العلاقة التي كانت تربط بين تحسن بيانات سوق العمل وارتفاع الدولار تقترب من نهايتها فعلى مدى سنوات، كان تحسن بيانات سوق العمل يُترجم تلقائيًا إلى توقعات بتشديد السياسة النقدية من جانب Federal Reserve مما يعزز جاذبية الأصول الأميركية ويدعم الدولار غير أن هذه العلاقة بدأت تتغير.

بحسب بروكس، تتوقع الأسواق حاليًا أن يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى خفض أسعار الفائدة حتى مع استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وفي حال تبنى الفيدرالي سياسات تحدّ من ارتفاع العوائد الاسمية طويلة الأجل فإن صدور بيانات وظائف قوية قد يؤدي فعليًا إلى تراجع العوائد الحقيقية مما يقلص جاذبية الأصول المقومة بالدولار ويضغط على العملة.

عند صدور تقرير الوظائف لشهر يناير، الذي جاء أقوى من التوقعات بزيادة 130 ألف وظيفة وتراجع معدل البطالة إلى 4.3% ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين بنحو 10 نقاط أساس ومع ذلك، تراجع مؤشر بلومبرغ لقياس الدولار مسجلًا أربع جلسات متتالية من الخسائر في سلوك معاكس للنمط التقليدي كما أظهر تحليل لبيانات «بلومبرغ» أن الارتباط بين مؤشر الدولار وأداء سوق العمل مقارنة بالتوقعات هو الأكثر سلبية منذ أكثر من ست سنوات.

أشار بروكس إلى أن الأسواق تأخذ في الاعتبار الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي خصوصًا في ظل دعوات متكررة من الرئيس الأميركي السابق Donald Trump لخفض أسعار الفائدة ويرى أن حالة عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية، لا سيما في ملف التجارة، أسهمت في تقليص الثقة في الدولار وزادت من حذر المستثمرين تجاه الأصول الأميركية.

إلى جانب تغير العلاقة مع سوق العمل، يشير عدد من المستثمرين والاستراتيجيين إلى أن الدولار لا يزال مقومًا بأعلى من قيمته العادلة وفق عدة مؤشرات تقييم مما يفتح المجال أمام تصحيح محتمل في السنوات المقبلة وقد دفع ذلك بروكس إلى تعديل توقعاته لترجيح ضعف الدولار خلال عام 2026 رغم توقعاته باستمرار النمو الاقتصادي الأميركي بمستويات مرتفعة خلال العام الحالي.

يخلص التحليل إلى أن الأسواق قد تكون بصدد دخول مرحلة جديدة لم يعد فيها تحسن البيانات الاقتصادية الأميركية كافيًا لدعم الدولار تلقائيًا بل باتت التوقعات المرتبطة بالسياسة النقدية والضغوط السياسية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه العملة وفي حال استمر هذا التحول فقد يشهد المستثمرون نمطًا مغايرًا لما اعتادوا عليه خلال العقد الماضي حيث تصبح البيانات الاقتصادية القوية عامل ضغط على الدولار بدلًا من أن تكون مصدر دعم له.