- تراجع الدولار في مصر إلى 52.25 جنيه مع بداية أسبوع هادئة، لكن الجنيه لا يزال منخفضًا بأكثر من 11% خلال شهر واحد، ما يعكس استمرار الضغوط الأساسية
- ساهمت عودة جزئية للأموال الساخنة في تهدئة السوق مؤقتًا، لكن التدفقات لا تزال هشة ومرتبطة بتطورات الحرب في الشرق الأوسط
- السوق في حالة ترقب مع ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة، قبل قرار الاحتياطي الفيدرالي غدًا، وكلها عوامل تبقي المخاطر قائمة، مع بقاء مستوى 53 جنيهًا الحاجز الرئيسي لأي موجة صعود جديدة للدولار
تراجع زوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري USD/EGP إلى نحو 52.25 جنيه خلال تعاملات الثلاثاء 17 مارس، بانخفاض طفيف يقارب 0.32% مقارنة بالجلسة السابقة، مع استمرار حالة الهدوء النسبي في سوق الصرف بعد تقلبات الأسبوع الماضي، ورغم هذا التراجع، لا يزال الجنيه منخفضًا بأكثر من 11.3% خلال شهر واحد، ما يعكس أن التحسن الحالي يأتي في إطار تصحيح محدود أكثر منه تحولًا في الاتجاه.
فنيًا، يواصل مستوى 52 جنيهًا أداء دور الدعم المحوري، بينما تمثل منطقة 52.80-53.00 نطاق المقاومة الأقرب والتي يراقبها المتداولون في حال عودة الضغوط على العملة المحلية، مع بقاء مستوى 53 جنيهًا الحاجز النفسي الأهم في السوق.
استقرار حذر في البنوك بعد بداية أسبوع هادئة
افتتح الدولار تعاملات الأسبوع الجديد بنبرة أكثر هدوءًا، بعد أن استقرت الأسعار خلال جلسة الأحد ثم واصلت التماسك خلال يومي الاثنين والثلاثاء.
وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ متوسط السعر الرسمي نحو 52.29 جنيه للشراء و52.43 جنيه للبيع، فيما تذبذب سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري على شاشات البنوك المحلية في نطاق ضيق بين مستويات 52.20-52.58.
وسجلت البنوك الكبرى مثل البنك الأهلي المصري وبنك مصر مستويات قرب 52.26-52.36 جنيه للشراء و52.36-52.58 جنيه للبيع، بينما ظلت بعض البنوك مثل مصرف أبوظبي الإسلامي عند مستويات أعلى نسبيًا، يعكس هذا التقارب في التسعير توازنًا نسبيًا بين العرض والطلب، خاصة بعد أن اقترب الدولار الأسبوع الماضي من مستوى 53، قرب أعلى مستوى تاريخي سجله الدولار خلال موجة التقلبات الأخيرة.
الجنيه يتعافى قليلاً.. لكن الاتجاه لم ينعكس بعد
تشير التحركات الأخيرة إلى أن الجنيه بدأ في التقاط الأنفاس بعد واحدة من أسرع موجات التراجع منذ تطبيق نظام سعر الصرف المرن في مارس 2024، فقدت العملة أكثر من 10-11% من قيمتها خلال أقل من شهر، مدفوعة بخروج استثمارات أجنبية قصيرة الأجل وارتفاع الطلب على الدولار.
لكن التحسن الطفيف في بداية الأسبوع – والذي لم يتجاوز 0.2% – يشير إلى أن السوق دخلت في مرحلة استقرار مؤقت، وليس انعكاسًا كاملًا للاتجاه، ويعزز بقاء الدولار فوق مستوى 52 فكرة أن السوق أعادت تسعير نقطة التوازن عند مستويات أعلى مقارنة بما قبل الحرب.
الأموال الساخنة: من محرك الهبوط إلى عامل التهدئة
لا تزال تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر (الأموال الساخنة) هي العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الجنيه خلال الفترة الحالية، وتشير بيانات السوق إلى أن عودة التدفقات الأجنبية إلى سوق الدين المحلي بدأت بشكل تدريجي بعد موجة التخارجات الأخيرة، حيث سجل المستثمرون الأجانب صافي شراء للجلسة الثانية على التوالي بقيمة نحو 412 مليون جنيه خلال تعاملات الأحد، وهو ما يعادل نحو 7.8 مليون دولار، وفق بيانات البورصة المصرية.
وتأتي هذه التدفقات المحدودة امتدادًا لتحول أكبر شهدته السوق في جلسة الخميس الماضي، والتي سجلت صافي شراء بنحو 1.03 مليار دولار، في أول إشارة على توقف موجة الخروج التي بلغت نحو 6.7 مليار دولار منذ أواخر فبراير، ورغم أن هذه العودة لا تزال محدودة مقارنة بحجم التخارجات السابقة، فإنها تعكس تحسنًا حذرًا في شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين المصرية، مدعومًا بمستويات الفائدة المرتفعة، لكنها تظل مشروطة بتطورات الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما يجعل استدامتها غير مضمونة في المدى القصير.
كما ساهمت هذه التدفقات في تهدئة ضغوط سوق الإنتربنك التي شهدت ضغوطًا ملحوظة خلال الأسبوع الماضي؛ إذ تجاوزت التعاملات اليومية مستوى مليار دولار مع تسارع تخارج المستثمرين الأجانب، قبل أن تهدأ هذه الضغوط تدريجيًا مع تباطؤ وتيرة الخروج وظهور مؤشرات أولية على عودة بعض التدفقات، ورغم ذلك، تظل هذه العودة هشة ومشروطة، إذ ترتبط بشكل مباشر بتطورات الحرب، فالأموال الساخنة بطبيعتها سريعة الدخول والخروج، ما يجعلها عامل استقرار مؤقت وليس دائم.
تحسن صافي الأصول الأجنبية يدعم استقرار الجنيه
على عكس موجات سابقة، يأتي هذا التراجع في الجنيه في ظل تحسن واضح في وضع السيولة الدولارية داخل القطاع المصرفي، فقد ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي إلى نحو 15.6 مليار دولار، مع تسجيل فائض مستمر للشهر التاسع على التوالي، كما ارتفعت الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى نحو 29.5 مليار دولار، مدعومة بتدفقات قوية، أبرزها تحويلات المصريين بالخارج التي تجاوزت 52 مليار دولار.
يحد هذا العامل من مخاطر حدوث أزمة سيولة حادة، ويمنح الجنيه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية مقارنة بفترات سابقة.
السياسة النقدية وإدارة السيولة: دعم غير مباشر للجنيه
في هذا السياق، واصل البنك المركزي إدارة السيولة عبر سحب نحو 69.8 مليار جنيه من البنوك من خلال عمليات السوق المفتوحة، ويهدف هذا الإجراء إلى امتصاص فائض السيولة، وتقليل الضغوط على سوق الصرف، ودعم استقرار أسعار الفائدة، ويأتي هذا بالتوازي مع بيئة نقدية لا تزال مشددة نسبيًا، حيث خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة إلى 19% للإيداع و20% للإقراض في اجتماعه الأخير في فبراير.
كما أظهرت البيانات الأخيرة ارتفاع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، في أول تسارع واضح بعد عدة أشهر من التباطؤ، يؤثر ارتفاع التضخم في مصر على الجنيه عبر عدة أوجه؛ إذ يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للعملة وتقليل جاذبيتها محليًا، كما يرفع الطلب على الدولار لتمويل الواردات، خاصة مع زيادة تكاليف الطاقة، وهو ما يضغط مباشرة على سعر الصرف.
وفي الوقت نفسه، يضع هذا التسارع البنك المركزي أمام معادلة صعبة، حيث قد يضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة في اجتماعه المقبل، وهو ما قد يدعم تدفقات استثمارية جزئيًا ويحد من الضغوط، وبذلك، يخلق التضخم حالة توازن معقدة بين عوامل تضغط على الجنيه وأخرى تدعمه، إلا أن استمرار ارتفاع الأسعار – خصوصًا مع تأثيرات الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود والنفط – قد يميل بالكفة في النهاية نحو مزيد من الضغط على العملة عبر زيادة الضغوط التضخمية.
الدولار الأمريكي يتراجع قبل قرار الفيدرالي المنتظَر
على المستوى العالمي، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي DXY إلى نحو 99.63 نقطة، مواصلاً التراجع الطفيف للجلسة الثانية على التوالي بعد فشله في الثبات فوق مستوى 100، ويأتي هذا التراجع في ظل حالة ترقب في الأسواق قبل اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، المقرر يوم غد الأربعاء؛ إذ تتوقع على نطاق واسع تثبيت أسعار الفائدة.
لكن في الخلفية، لا تزال توقعات خفض الفائدة قد تم تأجيلها بشكل كبير، مع تسعير الأسواق الآن خفضًا واحدًا فقط في ديسمبر 2026، بعد أن كانت تتوقع دورة تيسير أسرع قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وقد يعني هذا أن ضعف الدولار الحالي مؤقت، خاصة إذا أظهرت توقعات الاحتياطي الفيدرالي – فيما يسمى مخطط النقاط – تشددًا أكبر بفعل ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف من عودة معدلات التضخم للارتفاع.
إلى أين يتجه الدولار مقابل الجنيه؟
تتحدد حركة الزوج خلال الفترة المقبلة عبر أربعة عوامل رئيسية، وهي تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتطورات الحرب وأسعار النفط، واتجاه الدولار عالميًا، والطلب المحلي على العملة الصعبة، ويرى بعض المحللين أن وصول الدولار إلى قرب 53 جنيهًا الأسبوع الماضي دفع بعض المستثمرين لاعتبار هذه المستويات مناطق دخول جذابة، ما ساهم في التراجع الأخير، لكن في المقابل، فإن أي تصعيد جديد في الحرب أو ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة قد يعيد الضغط سريعًا على الجنيه.
التحليل الفني لزوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري USD/EGP
رغم التراجع الطفيف في بداية الأسبوع، لا يزال هيكل الحركة السعرية لزوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري USD/EGP يميل إلى الاتجاه الصاعد على المدى القصير، مع دخول السوق في مرحلة تماسك بعد موجة الصعود الحادة التي دفعت الزوج إلى الاقتراب من مستوى 53 جنيهًا، لا يعكس التحرك الحالي أسفل القمة الأخيرة انعكاسًا في الاتجاه، بل يبدو أقرب إلى تصحيح محدود داخل اتجاه صاعد، خاصة مع فشل الزوج حتى الآن في كسر مستوى 52 جنيهًا بشكل واضح وثابت.
من الناحية السلوكية، تحول مستوى 52 جنيهًا من مقاومة سابقة إلى منطقة دعم محورية، حيث يظهر عنده توازن واضح بين العرض والطلب، وكسر هذا المستوى هبوطًا بشكل حاسم قد يفتح المجال لاختبار مستويات أدنى قرب 51.50 جنيه، وهو المستوى الذي قد يمثل أول إشارة فعلية على ضعف الزخم الصاعد، في المقابل، تظل المنطقة 52.80-53.00 جنيه نطاق عرض قوي، حيث تتركز عندها أوامر بيع وجني أرباح بعد القفزة الأخيرة، واختراق هذا النطاق بإغلاق واضح قد يشير إلى استئناف الاتجاه الصاعد وفتح المجال أمام موجة ارتفاع جديدة، خاصة إذا تزامن ذلك مع عودة الضغوط الأساسية على الجنيه.
بشكل عام، يتحرك الزوج حاليًا داخل نطاق التماسك 52.20-52.60، مع ميل الاتجاه لصالح الدولار طالما ظل التداول أعلى مستوى 52، بينما يبقى كسر هذا المستوى هو العامل الحاسم الذي قد يغير الصورة الفنية على المدى القصير.

