تتزايد المخاوف من تأثيرات الحرب الإيرانية على إمدادات النفط، مما أدى إلى ارتفاع سريع في أسعار الخام العالمية، ومع تصاعد كلفة الاستيراد، بدأت الحكومات العربية في إعادة تقييم سياسات تسعير الوقود لمواجهة التقلبات الحادة في الأسواق العالمية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

ضغوط الأسواق العالمية
تتسارع التطورات في أسواق الطاقة، حيث تتجاوز تأثيرات ارتفاع الأسعار زيادة تكاليف الشحن والتأمين، مما يسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية.

تلك الضغوط تضع الدول المستوردة للطاقة أمام تحديات مزدوجة، تتمثل في تأمين الوقود وموازنة كلفة الطاقة في موازناتها العامة، مع مواجهة المخاطر التضخمية وتأثيراتها على الاقتصاد الكلي وتكاليف المعيشة.

في هذا السياق، أعلنت مصر عن رفع أسعار الوقود بنحو 3 جنيهات للتر، بالإضافة إلى زيادة أسعار أسطوانات البوتاجاز وغاز تموين السيارات، وذلك في إطار جهود الحكومة لمواءمة الأسعار مع ارتفاع تكلفة الاستيراد واحتواء الضغوط على موازنة الطاقة وتجنب اتساع فجوة الدعم في ظل الظروف الدولية المتقلبة.

 

الأثر يصل إلى محطات الوقود في الشراع العربي. (فريبيك)

الأثر يصل إلى محطات الوقود في الشراع العربي. (فريبيك).

 

تحركات إقليمية متباينة
بينما تستمر هذه المتغيرات، تترقب دول عربية أخرى اجتماعات لجان التسعير الدورية، وقد تتجه حكومات أخرى إلى مراجعة أسعار الوقود إذا استمرت الحرب وارتفعت أسعار النفط العالمية، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على بعض الدول المستوردة للطاقة.

في الأردن، تثير التحركات الأخيرة في أسواق الطاقة تساؤلات بشأن اتجاه أسعار الوقود خلال شهر آذار (مارس)، خاصة في ظل اعتماد آلية مراجعة شهرية للأسعار وفق متوسطات الأسواق العالمية، بعد إقرار زيادات طفيفة مع بداية الشهر، مما يعكس تفاعل سياسات التسعير المحلية مع المتغيرات الدولية.

كما امتدت هذه التأثيرات إلى أسواق أخرى في المنطقة، حيث شهدت أسعار المحروقات في لبنان ارتفاعاً متأثراً بتداعيات استمرار الحرب الإيرانية –الأميركية، بينما اتجهت أسعار الوقود في المغرب نحو الصعود خلال الشهر الجاري مع تصاعد المخاوف من تقلص الإمدادات العالمية.

في فلسطين، برزت استجابة أسرع للأسواق، إذ جرى تحريك الأسعار بعد ساعات من اندلاع الحرب، حيث ارتفع سعر البنزين بنحو 0.14 شيكل، بالإضافة إلى زيادة السولار والكاز بنحو 0.17 شيكل لكل منهما.

تداعيات قوية
في هذا السياق، يؤكد الخبير في اقتصاديات الطاقة نهاد إسماعيل، في تصريحات خاصة إلى «النهار»، أن أسعار وقود السيارات والطائرات شهدت ارتفاعات ملحوظة منذ اندلاع الأزمة، في انعكاس مباشر لزيادة أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

يوضح إسماعيل أن الديزل ارتفع في أوروبا وكذلك البنزين في الولايات المتحدة، كما سجلت الأسعار زيادات واضحة في دول مثل أستراليا واليابان ونيوزيلندا وفيتنام وبريطانيا، مما يعكس ظاهرة عالمية لا تستثني دولة، مشيراً إلى أن هذه التداعيات انعكست على عدة دول عربية، خاصة المستوردة للطاقة، حيث اتجهت بالفعل إلى رفع أسعار الوقود، وفي مقدمتها مصر.

يحذر إسماعيل من أن هذه الزيادات ستمتد آثارها إلى الأسر، مما قد يدفع بمعدلات التضخم وتكلفة المعيشة إلى الارتفاع، وقد يؤدي ذلك إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وإرباك جهود البنوك المركزية الرامية إلى خفض أسعار الفائدة، فضلاً عن زيادة مديونية الدول المستوردة للطاقة، خاصة الاقتصادات الناشئة والفقيرة، ما لم تتوقف الحرب وتستأنف تدفقات النفط والغاز.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو أسواق الطاقة في المنطقة مقبلة على مرحلة من التقلبات، قد تنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأسعار والتضخم، مع سعي الحكومات إلى تحقيق توازن دقيق بين ضغوط الأسواق العالمية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي المحلي
.