تشهد الأسواق العالمية توازناً دقيقاً بين تهدئة سياسية مؤقتة وضغوط نقدية مستمرة مما يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية حيث يواصل الذهب الحفاظ على قربه من مستوياته القياسية مدعوماً بتزايد الطلب على الملاذات الآمنة رغم استقرار وتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة.
رغم التصعيد السياسي الأخير المرتبط بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول فرض ما وصفه بـ«التعريفات الجمركية الثانوية» على الدول التي تواصل التعامل التجاري مع إيران إضافة إلى التحركات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط أظهرت الأسواق المالية قدرة لافتة على امتصاص المخاطر مع ميل المستثمرين إلى التفاؤل الحذر بدلاً من الذعر.
هذا التوازن انعكس بوضوح على أداء الذهب الذي واصل تداوله قرب مستويات قياسية فوق 4900 دولار للأونصة مستفيداً من استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي إلى جانب العوامل النقدية طويلة الأجل ويُنظر إلى المعدن الأصفر حالياً كأداة تحوط رئيسية خصوصاً في ظل توجه البنوك المركزية عالمياً إلى تنويع احتياطياتها وتقليص الاعتماد على العملات الورقية.
الارتفاع القوي في أسعار الذهب لا يرتبط بعامل واحد بل هو نتاج مزيج من تصاعد المخاطر السياسية واستمرار الضبابية بشأن مسار السياسة النقدية الأميركية إضافة إلى الطلب المؤسسي المتزايد ورغم تعرض الذهب لبعض التراجعات المؤقتة مع تحسن شهية المخاطرة وارتفاع أسواق الأسهم فإن الاتجاه العام لا يزال صاعداً خاصة مع تحقيق المعدن مكاسب تتجاوز 11% منذ بداية عام 2026.
في المقابل أظهرت البيانات الاقتصادية الأميركية صورة أكثر تماسكاً للاقتصاد حيث سجل إنفاق المستهلكين الذي يمثل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة نمواً بنسبة 0.2% خلال نوفمبر مما يشير إلى استقرار نسبي في الطلب الداخلي كما أظهرت بيانات الناتج المحلي الإجمالي نمواً فصلياً قوياً بلغ 4.4% وهو ما دعم أداء الدولار الأميركي الذي استقر قرب مستوى 98 نقطة.
هذا الاستقرار في الدولار شكّل عاملاً ضاغطاً نسبياً على المعادن النفيسة إلا أن تأثيره ظل محدوداً في ظل استمرار التوقعات بأن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترات المقبلة بمراجعة موقفه النقدي خصوصاً إذا ما ظهرت إشارات تباطؤ في سوق العمل أو تراجع في زخم التضخم.
أما الفضة فقد واصلت تداولها فوق مستويات 95 دولاراً للأونصة مستفيدة من الزخم الإيجابي في سوق المعادن إلى جانب الطلب الصناعي والاستثماري ورغم توقعات بحدوث بعض التقلبات أو التصحيحات السعرية على المدى القصير فإن النظرة المتوسطة الأجل لا تزال إيجابية خاصة في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بسلاسل الإمداد والسياسات التجارية العالمية.
يبقى المشهد الاقتصادي العالمي محكوماً بتوازن دقيق بين تحسن البيانات الاقتصادية الأميركية من جهة واستمرار الضغوط الجيوسياسية والنقدية من جهة أخرى وفي ظل هذه البيئة تظل تحركات الذهب والفضة مرتبطة بشكل وثيق باتجاهات الدولار الأميركي وسياسة الفيدرالي ومستوى شهية المخاطرة لدى المستثمرين مع بقاء المعادن النفيسة في صدارة الأدوات الدفاعية خلال فترات عدم اليقين.
إخلاء المسؤولية.
هذا التحليل لأغراض إعلامية فقط وليس نصيحة مالية ينطوي التداول على مخاطر والاداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية يمكن أن تتغير ظروف السوق لذا قم دائماً بإجراء بحثك الخاص أو استشر مستشاراً مالياً قبل التداول الكاتب غير مسؤول عن أي خسائر ناجمة عن استخدام هذا التحليل.

