تواجه الأسر الليبية أزمة خانقة نتيجة ارتفاع سعر الدولار بشكل قياسي مقابل الدينار في السوق السوداء خلال الساعات الأخيرة، مما أدى إلى تفاقم الغلاء وخلق حالة من القلق في الشارع الليبي والنخب السياسية، حيث اعتبر المراقبون هذا التطور بمثابة انهيار خطير للعملة الوطنية.

قفز الدولار بشكل مفاجئ إلى مستويات قريبة من 11 ديناراً، بعد أن سجل 10.85 دينار مقابل 10.03 دينار مطلع الأسبوع، مما أثار جدلاً سياسياً واسعاً وتبادل الاتهامات بين الأطراف المعنية، بينما وجد المواطنون أنفسهم في مواجهة موجة جديدة من غلاء السلع الأساسية، مما يزيد من الضغوط المعيشية عليهم.

* التهاب الأسعار

في طرابلس، عبّرت هديل محمد، أرملة تعول أربعة أبناء، عن قلقها في حديثها لـ«الشرق الأوسط» قائلة إن «ارتفاع الدولار أشعل أسعار السلع المستوردة وغيرها، بما في ذلك الخضراوات والفاكهة»، وأشارت إلى أنها قد «تتمكن بهذا النهج من توفير وجبات إفطار وسحور متواضعة، بلا لحوم أو حلويات خلال أيام رمضان المتبقية».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى في لقاء مع مسؤولين باتحاد الصناعة في طرابلس (الصفة الرسمية للمصرف)

تداعيات تراجع الدينار لم تقتصر على محدودي الدخل مثل المتقاعدين الذين يتقاضون نحو 900 دينار شهرياً، بل طالت العمل الخيري أيضاً، حيث يشكو رئيس جمعية «أم المؤمنين الخيرية»، فرج عمر، من «شح التبرعات لمؤسسته المعنية بمساعدة الأرامل والأيتام، مقارنة بما كانت تتلقاه سابقاً من شحنات غذائية».

يعتقد الخبراء أن تدهور سعر الصرف كان متوقعاً في ظل استمرار الانقسام السياسي وتنازع حكومتين على السلطة، حيث تتنافس حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في الغرب مع حكومة مكلّفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في الشرق وبعض مدن الجنوب، ويشير هؤلاء إلى الخلاف المتكرر حول مخصصات «التنمية» في الميزانية وتبادل الاتهامات بتوظيفها في مشاريع إعمار تستهدف كسب الولاءات وترسيخ النفوذ.

في المقابل، حاول الدبيبة الدفاع عن حكومته أمام الاتهامات التي تحمّله مسؤولية ارتفاع الدولار وأسعار السلع والخدمات، معترفاً بغضب المواطنين وحاملاً خصومه المسؤولية، حيث قال عبر حسابه على منصة «إكس»: «هناك إنفاق موازٍ بقيمة 70 مليار دينار خلال عام واحد، ما خلق طلباً إضافياً على الدولار، وتسبب في ارتفاعه»

عناصر شرطة في سوق المشير للعملات بالعاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للسوق)

سرعان ما هاجم خصوم الدبيبة في شرق البلاد حديثه، حيث كتب رئيس المؤسسة الوطنية للإعلام، محمد بعيو، موضحاً أن «الإنفاق الموازي، الذي يُنسب إليه سبب أزمة الدينار كعامل وحيد، هو إنفاق تنموي وتسييري يتم من خلال الحكومة الليبية، ومؤسسات وأجهزة التنمية التابعة لها» وتساءل عن «إنجازات حكومة الوحدة في مشاريع الإعمار» وفق إدراج عبر حسابه على «فيسبوك».

بدوره، اتهم الإعلامي الليبي خليل الحاسي «رجال المال والتجار بمضاعفة ثرواتهم عبر فرق العملة»، مشيراً إلى الفارق الواسع بين السعر الرسمي للدولار (6.3 دينار) وسعره في السوق الموازية الذي تجاوز 10.85 دينار.

أما النشطاء والمدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي، فقد طالبوا بإقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، بعد قرارات خفض قيمة الدينار مرتين خلال أقل من عام، وهو ما عدّه كثيرون تخبطاً في السياسات النقدية، ولا تزال وسوم «لا لفرض الضرائب» و«سعر الدولار دقيقة بدقيقة» تتصدر المنصات الليبية.

* غياب الرقابة

ألقى الناشط المدني مفتاح مكراز باللائمة على من وصفهم بـ«التجار المتحكمين في الدولة»، منتقداً غياب الرقابة الفعلية، وتساءل: «كيف يُسمح للتاجر بشراء الدولار بالسعر الرسمي واستيراد سلع، ثم بيعها وفق سعر السوق الموازية؟» وتحدث في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال مرتبطة بعمليات بيع وشراء الدولار»، مقللاً من مساهمة «المنح الحكومية في التغلب على الأزمة الراهنة، كونها تتبدد سريعاً مع ارتفاع الدولار» ولافتاً إلى احتياجات المواطنين للعلاج والتعليم في الخارج

من جهته، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة، سعد بن شرادة، أن «تعدد وتضارب مراكز القرار هما السبب الرئيسي للفساد وارتفاع أسعار الدولار»، مشيراً إلى «توسع الحكومتين في الإنفاق بما يفوق الإيرادات النفطية» وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «غضب الشارع لم يكن فقط بسبب سعر الدولار، بل أيضاً بسبب ما نُقل وتردد عن بدء تطبيق ضرائب على بعض أصناف السلع المستوردة» منتقداً «هشاشة المشهد التنظيمي» في ظل غياب بيانات رسمية توضح الموقف.

مقر مصرف ليبيا المركزي في العاصمة طرابلس (الصفحة الرسمية للمصرف)

وحذر بن شرادة من استمرار «سياسات معالجة العرض الظاهر عبر إجراءات نقدية طارئة، دون تشكيل حكومة موحدة وميزانية موحدة، ومكافحة تهريب الوقود والسلع التموينية» مؤكداً أن ذلك «قد يرفع الدولار إلى 25 ديناراً» داعياً جميع الأطراف إلى «الانتباه إلى أن الأزمة لن تستنزف إمكانيات الدولة فقط، بل ستستنزف أيضاً شعبيتهم».

تمتد المخاوف إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، لتطول مستقبل الدينار، في ظل توقعات متشائمة ببلوغ الدولار مستويات أعلى، حيث حذر محافظ مصرف ليبيا المركزي السابق الصديق الكبير من احتمال صعوده إلى 30 ديناراً إذا استمر ما يُعرف بـ«الإنفاق الموازي»، فيما وصف أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل أي تنبؤ بسعر الصرف حالياً بأنه «ضرب من الخيال».

غير أن المخاوف من الأوضاع النقدية في ليبيا تذهب ببعض المراقبين نحو مخاوف وسيناريوهات مغرقة في التشاؤم، حيث نبه أستاذ العلاقات الدولية الليبي إبراهيم هيبة إلى أن «استمرار الأزمة الحالية والانقسام السياسي، قد يؤدي لزيادة الجريمة المنظمة والإرهاب» وقد يفضي إلى «ثورة جياع».