تشهد الأسواق المالية حديثًا متزايدًا حول إمكانية “إزالة الدولرة”، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الدولار وتأثيره على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية، رغم أن الواقع يشير إلى تحول تدريجي في النظام النقدي العالمي بدلاً من انهيار مفاجئ لهيمنة العملة الأمريكية، حيث لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته في قلب التجارة العالمية وأسواق رأس المال، لكن ما يتغير هو درجة احتكاره لهذا الموقع.

تتجلى هذه التحولات في مراجعة مديري الاحتياطيات لعناصر “ثالوث العملة” التقليدي، حيث تظل الأصول المقومة بالدولار، مثل سندات الخزانة الأمريكية، تتفوق من حيث السيولة، لكن عنصر الأمان بدأ يتعرض للتساؤلات في ظل العجز المالي المتزايد والجدل حول سقف الدين، كما أن الخيارات الأخرى مثل اليورو والين واليوان بدأت تكتسب مصداقية أكبر، مما دفع البنوك المركزية إلى تقليل انكشافها على الدولار تدريجياً، ليس بسبب فشل العملة، بل بسبب المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بالتركيز على الدولار.

عودة الذهب إلى الساحة تعكس هذا التوجه، حيث قامت البنوك المركزية بتجميع المعدن الأصفر كأصل محايد، أقل عرضة للتجاذبات الجيوسياسية، وفي ظل دعم السيولة من الاحتياطي الفيدرالي وتوسع مالي مرتفع، يبدو الذهب خيارًا أفضل ضد ضبابية السياسات، مما يعكس مسار التنويع التدريجي بدلاً من القطيعة مع الأصول الأمريكية.

تؤكد تحركات العملات هذا الاتجاه، حيث ارتفع اليوان الصيني أمام الدولار في عام 2025 نتيجة ضعف العملة الأمريكية وتوجيهات السياسة في بكين، بالإضافة إلى تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسهم الصينية، كما أن توسع التسويات التجارية باليوان، التي تقترب من ثلث معاملات السلع عبر الحدود، يظهر كيف يمكن أن تؤدي التغيرات الطفيفة في فواتير التجارة إلى تقليص الهيمنة المعاملاتية للدولار، لكن هذه التحولات تبقى مقيدة بعمق أسواق السيولة الخارجية وباستمرار الاعتماد على الدولار كعملة وسيطة رئيسية.

الأهم من ذلك هو ما يحدث في البنية التحتية المالية، حيث تسعى الصين لتطوير اليوان الرقمي كأداة مدرّة للعائد، وتوسيع منصات تسوية عابرة للحدود مثل مشروع “إم بريدج”، في محاولة لبناء قنوات دفع بديلة تتجاوز الشبكات التقليدية المتمركزة حول الدولار، رغم أن هذه المبادرات لا تزال صغيرة مقارنة بحجم التمويل العالمي، إلا أنها تمثل استثمارًا في خيار مستقبلي قد يغير آليات التجارة، خاصة لدى اقتصادات ناشئة تسعى لتقليص مخاطر العقوبات.

تتضح هذه الديناميكيات أيضًا في أسواق رأس المال، حيث اتجه المقترضون في دول الخليج نحو تمويلات مقومة باليوان مع تنامي دور الصين كشريك تجاري، كما أن خطط إصدار سندات خارجية باليوان من قبل شركات الطاقة الكبرى في الشرق الأوسط تكشف عن أن التنويع غالبًا ما يبدأ على الهامش، مما يعكس تجارب تدريجية في مصادر التمويل دون التخلي الكامل عن الدولار، حيث تتداخل اعتبارات كلفة الاقتراض والعلاقات التجارية والتموضع الجيوسياسي في صياغة هذا المسار البطيء.

لا يمكن تجاهل العوامل الجيوسياسية، فتجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي قبل نحو أربع سنوات أبرز حجم النفوذ الكامن في النظام الدولاري، مما دفع بعض الدول للبحث عن بدائل، كما أن التوترات التجارية والسياسات الجمركية والجدل حول استدامة المالية الأمريكية غذت تصورات بأن النظام النقدي يتجه نحو مزيد من التشرذم، ومع ذلك، تبقى هناك قوى داعمة للدولار، حيث تعزز تدفقات رأس المال إلى قطاع التكنولوجيا الأمريكي الطلب على الأصول الدولارية وتكرّس مركزية العملة في المحافظ العالمية.

الأهم من ذلك، يبدو أن صفة “الملاذ الآمن” للدولار تتطور بدلاً من أن تختفي، ورغم أن فترات العزوف المعتدل عن المخاطر قد توفر الين أو الفرنك السويسري تحوطًا أكثر ثباتًا، إلا أن هيمنة الدولار تبقى بلا منازع في لحظات الضغط الحاد على التمويل، حيث تستمر قوته في الاعتماد على هندسة النظام المالي العالمي نفسه.

إزالة “الدولرة” ليست خرافة، لكنها ليست انقلابًا وشيكًا أيضًا، بل هي عملية تراكمية بطيئة مدفوعة بإدارة عقلانية للمحافظ وتجريب تكنولوجي وإعادة تموضع جيوسياسي، وما نشهده هو تآكل تدريجي في احتكار الدولار دون إزاحته عن المركز، حيث يتجه العالم من نظام احتياطي أحادي القطب إلى ترتيب نقدي أكثر تعددية.

* خبير اقتصادي وعالم بيانات وكاتب.

(أميركان ثينكر).