شهدت الأسواق العالمية تحولًا كبيرًا مع ارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، حيث تجاوزت 5 آلاف دولار للأوقية للمرة الأولى، مما يعكس تخلي المستثمرين عن الدولار بسبب المخاطر الاقتصادية في الولايات المتحدة والاتجاه نحو المعادن الثمينة كملاذات آمنة، بينما انخفض الدولار إلى أدنى مستوى له منذ أربعة أشهر، في وقت شهد فيه الين الياباني قفزات ملحوظة وسط تكهنات بتدخل مشترك محتمل من الولايات المتحدة واليابان لدعم العملة اليابانية التي تعرضت لضغوط شديدة من الدولار.

قفزات الذهب والفضة

أسعار الذهب سجلت ارتفاعًا بنسبة تصل إلى 2.7% محققة رقمًا قياسيًا جديدًا فوق 5100 دولار للأوقية، بينما ارتفعت أسعار الفضة بنسبة تقارب 15% يوم الاثنين لتصل إلى 117.7 دولار للأوقية، مما يعكس زيادة هذا العام بأكثر من 60%.

الين الياباني في الصدارة

ذكرت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن الين الياباني قفز بنسبة 1.6% ليصل إلى 153.3 ين مقابل الدولار، حيث شهدت جلسة تعاملات متقلبة تضمنت مراجعة أسعار الفائدة من قبل السلطات الأمريكية، وهي خطوة تشير غالبًا إلى تدخل محتمل في سوق النقد الأجنبي.

هذا الارتفاع في الين جاء وسط تكهنات بأن الولايات المتحدة واليابان قد تتهيآن لأول تدخل منسق لهما في العملة منذ إجراء مجموعة الدول الصناعية السبع لإضعافها عقب زلزال عام 2011، حيث نقلت الصحيفة عن إيفان براون، رئيس استراتيجية الأصول المتعددة في شركة “يو بي إس”، قوله إن الإدارة الأمريكية لا ترغب في رؤية الدولار يرتفع بشكل ملحوظ، مما يرجح كفة الانخفاض.

كما انخفض الدولار مقابل الفرنك السويسري بنسبة تصل إلى 0.9%، مسجلاً أدنى مستوى له منذ عام 2015 عند 0.773 فرنك سويسري، في حين ارتفع اليورو ليقترب من أعلى مستوى له مقابل الدولار منذ عام 2021.

توقعات المستثمرين

أشار مايكل هايج، المحلل في “سوسيتيه جنرال”، إلى أن مستويات عدم اليقين العالمية مرتفعة، مع الأحداث الأخيرة في فنزويلا وجرينلاند وإيران، مما دفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الأصول الآمنة التقليدية مثل السبائك، كما يأتي انتعاش الين بعد تزايد قلق المسؤولين والمستثمرين من احتمال حدوث عمليات بيع متزامنة للعملة وسوق السندات اليابانية قبيل الانتخابات المبكرة في 8 فبراير.

سجل الين أدنى مستوى له في 18 شهرًا في وقت سابق من هذا الشهر، استجابة لخطة التحفيز التي طرحتها رئيسة الوزراء الجديدة “ساناي تاكايتشي”، حيث يخشى مستثمرون من أن تواجه السلطات خيارًا بين دعم العملة برفع أسعار الفائدة أو إبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة لكبح جماح التراجع الحاد في سوق السندات اليابانية.

تدخلات محتملة

يرى يوجيرو جوتو، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في مؤسسة “نومورا”، أنه على الرغم من عدم وجود بيانات تؤكد شائعات السوق حتى الآن، فإنه يبدو مرجحًا للغاية أن تكون السلطات اليابانية قد تدخلت بشكل مباشر في السوق، حيث كانت تحركات العملة أكبر مما هو متوقع لتدخل لفظي فقط.

أضاف جوتو أن مثل هذا الانخفاض الحاد في قيمة الدولار عادة ما يدفع المستثمرين إلى الشراء عند الانخفاض، مشيرًا إلى أنه لولا التدخل لكان من المرجح أن نرى الدولار يتعافى هذا الصباح، لذا لن يتفاجأ إذا كان هناك تدخل من اليابان.

المتداولون كانوا على أهبة الاستعداد لمزيد من تقلبات العملة، حيث بلغ مؤشر “مجموعة بورصة شيكاغو التجارية” للتقلبات الضمنية في سعر صرف الدولار مقابل الين أعلى مستوى له منذ يوليو الماضي، وتشير الصحيفة البريطانية إلى أن آخر مرة تدخلت فيها السلطات اليابانية بشكل مباشر في أسواق الصرف الأجنبي كانت أربع مرات في عام 2024، حيث اشترت ما يقرب من 100 مليار دولار من الين لدعم العملة عندما انخفضت إلى حوالي 160 يناً مقابل الدولار.

تصريحات رسمية

تسارع ارتفاع الين عقب تصريح رئيس قسم العملة في وزارة المالية اليابانية، أتسوكي ميمورا، للصحفيين يوم الاثنين، حيث أكد أنهم سيواصلون الاستجابة المناسبة لتحركات سوق الصرف الأجنبي، بالتعاون الوثيق مع السلطات الأمريكية عند الحاجة، وجاءت تصريحاته عقب تصريحات أدلت بها “تاكايتشي” يوم الأحد، حيث قالت إن حكومتها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لمعالجة المضاربات والتحركات غير الطبيعية.

المتداولون أشاروا إلى أن السوق تفاعلت مع فكرة أن الولايات المتحدة تشارك اليابان مخاوفها بشأن ضعف الين المستمر، مما عكس مسار انخفاضات متواصلة استمرت لأكثر من ثلاثة أشهر، كما قال بنجامين شاتيل، كبير الاقتصاديين في بنك “جيه بي مورجان”، إن الانطباع العام هو المفتاح، فإذا كان انطباع السوق أن اليابان تتصرف بالتنسيق مع الولايات المتحدة، فإن ذلك يجعل التدخل اللفظي أكثر فعالية.

تراجعت الأسهم اليابانية بشكل حاد يوم الاثنين، مدفوعة بقوة الين والمخاوف بشأن تأثيره المحتمل على أرباح الشركات، إذ يؤدي ارتفاع قيمة الين إلى انخفاض عائدات العملات الأجنبية للمصدرين اليابانيين، وانخفض مؤشر “نيكي 225” بنسبة 1.8%، حيث قال الاستراتيجي في “جيفريز”، شريكانت كالي، إن تداولات اليوم تعد رد فعل تلقائي، لطالما كان هذا هو الحال عند رؤية تحرك كبير في قيمة الين.