موجة جديدة من الضغوط تواجه الدولار الأمريكي في بداية عام 2026، حيث يُجبر المستثمرون على إعادة تقييم توقعاتهم بشأن استقرار العملة وسط مؤشرات متزايدة على رغبة واشنطن في إضعاف الدولار، مما يثير قلق الأسواق ويؤثر على حركة الأموال بشكل مباشر، ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يسجل الدولار أكبر خسارة له منذ ثلاثة أيام أمام سلة من العملات الرئيسية منذ أبريل الماضي، وهو الشهر الذي شهد بداية بيع غير مسبوق للأصول الأمريكية بعد فرض رسوم يوم التحرير من قبل الرئيس دونالد ترامب.
في عامه الأول بالبيت الأبيض، أدت سياسات ترامب التجارية غير المتوقعة وهجماته المتكررة على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تآكل قيمة الدولار بنحو 10%، ومع استمرار الأداء الباهت للعملة الأمريكية، تظل متخلفة عن نظيراتها الرئيسية مثل اليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.
شهد شهر يناير الحالي سلسلة من التحركات من قبل ترامب، حيث هدد بفرض سيطرة أمريكية على “جرينلاند” ولوّح بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين، كما سعى لتوجيه لائحة اتهام جنائية لرئيس الفيدرالي جيروم باول، وأشرف على عملية تهدف للقبض على الرئيس الفنزويلي، وهدد كندا بحظر تجاري فعلي.
رغم تراجع ترامب عن بعض تهديداته بشأن جرينلاند وأوروبا، إلا أن الأسواق تجاهلت نسبياً ملف فنزويلا، مما يترك المناخ العام مشحوناً بالتوتر، وتشير مقاييس التقلب في السوق إلى حالة من عدم اليقين المرتفع، بينما تظل سوق السندات هشة، خاصة مع عمليات البيع الحادة في السندات الحكومية اليابانية التي تهدد بالتأثير على سندات الخزانة الأمريكية، وفي المقابل، يواصل الذهب تحليقه لمستويات قياسية جديدة، مما يعكس بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة بديلة.
على الصعيد المحلي، أدت الحملة الصارمة على الهجرة غير الشرعية، التي أسفرت عن وفاة مواطنين أمريكيين هذا الشهر واندلاع احتجاجات، إلى تأجيج المخاوف من إغلاق حكومي محتمل، وتزداد الضغوط على الدولار مع توقعات بأن يخفض الفيدرالي أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، في وقت تتجه فيه بنوك مركزية كبرى أخرى للتوقف المؤقت أو حتى رفع الفائدة، مما يقلل من جاذبية العملة الأمريكية كوعاء استثماري للعوائد.
يستعد باول، الذي قاوم ضغوط ترامب لخفض الفائدة بسرعة، للمغادرة في مايو المقبل، وتشير أسواق المراهنات الآن إلى احتمال 50% لأن يخلفه ريك ريدر، رئيس قسم السندات لدى “بلاك روك”، المعروف بتأييده لأسعار الفائدة المنخفضة، وهو ما يضيف مزيداً من الضغوط البيعية على الدولار.
هذا المشهد المضطرب في مطلع 2026 يكشف عن تحول جوهري في كيفية تفاعل الأسواق مع العملة الأمريكية، حيث لم يعد الدولار مجرد ملاذ آمن تلقائي، بل يواجه “أزمة ثقة” متزايدة نتيجة تداخل السياسات الاقتصادية مع الأجندات الجيوسياسية، مما يضع المستثمرين أمام حقيقة جديدة؛ المخاطر السياسية القادمة من واشنطن أصبحت عاملاً هيكلياً ضاغطاً على العملة، مما قد يعيد تشكيل خريطة التحوط والاستثمار العالمي لصالح الأصول البديلة والعملات المنافسة إذا استمر هذا النهج في إدارة الملفات الدولية.

