هذا الأداء المتذبذب لا يعكس فقط تحركات فنية، بل يكشف عن تحول أعمق في ديناميكيات السوق، إذ لم يعد عامل «الخوف» وحده كافياً لدعم الذهب، في ظل تصاعد تأثير الفائدة المرتفعة وارتفاع تكاليف الطاقة.
الفائدة والدولار.. الضغط الأكبر على الذهب
وأوضح في تصريحات لـCNN الاقتصادية أن ارتفاع الدولار يجعل الذهب أكثر تكلفة عالمياً، ما يضغط على الطلب، بينما ترفع الفائدة المرتفعة من جاذبية الأدوات التي تدر عائداً مثل السندات والودائع، في ظل أن الذهب أصلٌ لا يحقق عائداً، مضيفاً أن هذه البيئة تعزز ما يُعرف بـ«تكلفة الفرصة البديلة»، ما يدفع المستثمرين إلى التحول بعيداً عن المعدن النفيس.
الأسواق تسعّر المخاطر مسبقاً
وأضاف منصور أن جزءاً كبيراً من التوترات الجيوسياسية الحالية تم تسعيره بالفعل في الأسواق، مشيراً إلى أن تحركات المستثمرين غالباً ما تكون استباقية، وليس كرد فعل مباشر على الأحداث.
وأكد منصور أن غياب عنصر المفاجأة في التصعيدات الحالية يقلل من تأثيرها على الذهب، خاصة أن الأسواق تركز بشكل أكبر على مدى انعكاس هذه التوترات على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وتابع أن السؤال الأهم بالنسبة للمستثمرين حالياً هو ما إذا كانت هذه التطورات ستؤثر فعلياً على النمو، وفي حال غياب إجابة واضحة، يظل تأثيرها محدوداً على الأسعار.
النفط يعيد توجيه السيولة.. ورؤية مختلفة للسوق
من جانبه، قال أحمد معطي، المدير التنفيذي لشركة IV Markets، إن العامل الحاسم في تحديد اتجاه الذهب حالياً لم يعد فقط الفائدة أو الدولار، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بأسعار النفط.
وأوضح معطي أن ارتفاع النفط إلى مستويات تفوق 113 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع التوترات، دفع الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها، إذ باتت تركز على توفير السيولة اللازمة لتأمين احتياجات الطاقة ودعم الإنتاج، بدلاً من توجيهها إلى شراء الذهب.
كما لفت في تصريحاته لـCNN الاقتصادية إلى أن بعض التوقعات تشير إلى إمكانية صعود النفط إلى مستويات أعلى بكثير، وهو ما قد يمدد الضغوط على الذهب خلال الفترة المقبلة.
ارتداد الذهب.. بين التهدئة والشراء التحوطي
يعكس الارتداد السريع للذهب من أدنى مستوياته خلال الجلسة تغيراً سريعاً في معنويات المستثمرين، حيث تتراجع عمليات البيع مع أي إشارات تهدئة، بينما تعود عمليات الشراء التحوطي مع استمرار حالة عدم اليقين.
وقد أسهمت تصريحات دونالد ترامب في تخفيف حدة المخاوف، ما قلص من علاوة المخاطر، لكنه في الوقت ذاته دفع بعض المستثمرين لاستغلال انخفاض الأسعار وإعادة بناء مراكزهم.
هل يعود الذهب للارتفاع؟.. توقعات الخبراء
رغم الضغوط الحالية، لا يجمع المحللون على سيناريو هبوطي ممتد للذهب، بل تشير التوقعات إلى أن المعدن النفيس قد يستعيد مساره الصاعد، لكن بشروط واضحة تتعلق بالسياسة النقدية وأسعار الطاقة.
يرى عاصم منصور أن مستقبل الذهب يتوقف على ما إذا كانت المعادلة الحالية ستتغير، موضحاً أن استمرار الفائدة المرتفعة وقوة الدولار سيبقيان الضغط قائماً، وأضاف أن عودة الذهب للصعود تتطلب تحولاً في هذه العوامل، خاصة مع بدء البنوك المركزية في خفض الفائدة، وهو ما قد يعيد جاذبية المعدن كأصل تحوطي.
وأوضح أن استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قرب 100 دولار يحد من فرص صعود الذهب، في حين أن تراجعها إلى مستويات أقرب إلى 70 دولاراً قد يفتح الباب أمام دورة جديدة من التيسير النقدي، وهو ما يدعم ارتفاع الأسعار من جديد.
من جانبه، قال أحمد معطي، إن اتجاه الذهب في المرحلة المقبلة أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بأسعار النفط وتداعيات الحرب.
وأكد أيضاً أن استمرار النفط فوق 100 دولار يعني بقاء الضغوط على الذهب، نتيجة توجه الدول لتوفير السيولة لشراء الطاقة بدلاً من زيادة احتياطيات المعدن النفيس، مضيفاً أن هذا السيناريو قد يدفع الذهب لمزيد من التراجع على المدى القصير.
توقعات المؤسسات العالمية.. صعود مؤجل لا مُلغى
تدعم تقديرات المؤسسات المالية العالمية هذا الطرح، إذ تشير إلى أن الضغوط الحالية قد تكون مؤقتة، فبحسب استطلاع آراء محللين أجرته وكالة رويترز، من المتوقع أن يسجل الذهب متوسطاً قرب 4746 دولاراً خلال 2026، مع إمكانية تحقيق مستويات أعلى حال تراجع الفائدة وزيادة الطلب الاستثماري.
كما تتوقع مؤسسات كبرى مثل غولدمان ساكس وصول الذهب إلى نحو 5400 دولار بنهاية 2026، بينما تشير تقديرات أخرى إلى إمكانية تحركه في نطاق يتراوح بين 5000 و6000 دولار في حال تحسن الظروف النقدية وعودة الزخم الاستثماري.
في السياق ذاته، ترجح تقارير بحثية صادرة عن المجلس العالمي للذهب أن يؤدي خفض الفائدة وضعف الدولار إلى خلق بيئة داعمة لارتفاع الذهب بنسبة قد تصل إلى 15%، خاصة مع استمرار الطلب من البنوك المركزية.
الذهب «يمرض ولا يموت»
تظل حركة الذهب خلال الفترة المقبلة رهينة لمجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها مسار أسعار النفط، واتجاه السياسة النقدية العالمية، إلى جانب تطورات الأوضاع الجيوسياسية.
ورغم الضغوط الحالية، يرى الخبراء أن الذهب لم يفقد مكانته كملاذ آمن، بل يمر بمرحلة إعادة تسعير تعكس تغير أولويات الأسواق.
وفي هذا السياق، أشار أحمد معطي إلى أن التراجعات الحالية قد تمثل فرصاً شرائية، خاصة للبنوك المركزية التي قد تستغل انخفاض الأسعار لتعزيز احتياطياتها.
وفي النهاية، يبدو أن الذهب لا يفقد بريقه بقدر ما يعيد تعريف دوره في بيئة اقتصادية أكثر تعقيداً، إذ لم يعد يتحرك بالخوف فقط، بل تحكمه معادلة أوسع تشمل الفائدة والطاقة وتوقعات المستثمرين.

