سياسات «أمريكا أولاً» تُظهر كيف تتصادم الأولويات الداخلية الأمريكية مع استقرار الاقتصاد العالمى

تتزايد المخاوف بشأن تأثير السياسات الأمريكية الحالية على استقرار الاقتصاد العالمي، حيث تثير الهجمات المستمرة للرئيس دونالد ترامب على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول تساؤلات حول مستقبل النظام النقدي العالمي، خاصة مع تصاعد التوترات في السياسة الخارجية مثل التعامل مع فنزويلا وإيران، مما يضع هيمنة الدولار في موضع تساؤل ويجعل الأسواق تتأرجح بين الأمل والقلق.

تأتي هذه التطورات في وقت يبرز فيه الاستقرار النقدي الذي حافظ على النظام المالي العالمي على مدى العقود الماضية، حيث يتطلب توفير السيولة الدولارية من الولايات المتحدة تحقيق عجز في الحساب الجاري، مما يعني أن على أمريكا شراء أكثر مما تبيعه للخارج، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على حركة الأموال في الأسواق العالمية.

في الوقت ذاته، تُصدر الولايات المتحدة ديوناً تعتبر أصولاً احتياطية للحكومات والمستثمرين الأجانب، مما يساهم في إبقاء تكاليف الاقتراض الأمريكية منخفضة، وهو ما يتيح للحكومة الفيدرالية توسيع نطاقها المالي بالاعتماد على المدخرات الأجنبية، كما أشار موقع «بروجكت سنديكيت».

هذا الوضع كان قد أشار إليه وزير المالية الفرنسي السابق فاليرى جيسكار ديستان في الستينيات، حيث وصف الدولار بأنه “امتياز باهظ”.

فقد أشار تشو شياو تشوان، المحافظ السابق لبنك الشعب الصيني، إلى أن الاستقرار النقدي العالمي يعتمد على عملة تصدرها دولة ذات سيادة تدير سياساتها وفق أولوياتها الداخلية، وهو ما يتجلى بوضوح في السياسات الحالية التي تتبناها إدارة ترامب.

في عام 2009، اقترح تشو دراسة إمكانية إنشاء عملة عالمية مستقلة عن الشواغل المحلية لأي جهة إصدار، بينما بدأت الصين في دفع جهود تدويل الرنمينبي، حيث كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الدولار في تسعير تجارتها الخارجية، مما أدى إلى تراكم هائل في الاحتياطيات الدولارية.

تجاوزت هذه الاحتياطيات 3.8 تريليون دولار في عام 2014، مما جعل تقليص الاعتماد على الدولار خطوة منطقية للصين، وهو ما يفسر تراجع حيازات الصين من الدين الفيدرالي الأمريكي إلى نحو 700 مليار دولار مقارنة بحوالي 1.3 تريليون دولار في عام 2015.

لم يعد القلق بشأن الاختلالات العالمية أمراً جديداً، حيث كان حاضراً في مناقشات مجموعة العشرين في العقد الماضي، حيث سعت الصين إلى نظام نقدي دولي أكثر توازناً يقلل من اعتمادها على الدولار ويوفر خيارات أوسع في المدفوعات والاستثمارات.

كانت الحجة الأساسية تدور حول ضرورة أن يمتلك اقتصاد ذو أهمية نظامية مثل الصين عملة ذات طابع دولي حقيقي، وقد حظيت هذه الرؤية بدعم المؤسسات المالية متعددة الأطراف، بما في ذلك صندوق النقد الدولي الذي شجع تدويل الرنمينبي.

اعتُبر إدراج الرنمينبي في عام 2016 ضمن سلة العملات التي تُكوِّن حقوق السحب الخاصة خطوة نحو نظام نقدي متعدد العملات، ومع رئاسة الصين لمجموعة العشرين في نفس العام، كان هذا التحول يُنظر إليه على أنه مفيد للاستقرار العالمي.

لكن هذا التوافق بدأ يتفكك بشكل كبير في العقد التالي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، حيث تشير التقارير إلى أن نظاماً متعدد العملات قد يُعمِّق التجزئة ويُفاقم المخاطر النظامية، مما يجعل الاعتماد المفرط على الدولار يحمل مخاطر في ظل السياسات المتقلبة.

ومع بقاء الاستقرار المالي العالمي رهينة للسياسات الداخلية الأمريكية، تعمل الصين على تطوير عملة دولية تتناسب مع ثقلها الاقتصادي المتزايد، حيث لا تزال الحجة الداعية لنظام نقدي دولي لا يرتكز على عملة مهيمنة واحدة قائمة.

يبدو أن المسار الأمثل هو الانتقال المنسق بعناية نحو هذا النظام، لكن غياب التعاون في السياسات قد يؤدي إلى عدم الاستقرار ومزيد من التجزئة، ومع ذلك، يتعين على الولايات المتحدة أن تستمر في لعب دور قيادي بصفتها الرئيس الحالي لمجموعة العشرين.

لكن تحت قيادة ترامب، قد تتحول مجموعة العشرين إلى ساحة لصراعات السياسات بدلاً من منصة للتعاون، مما يتركها غير مؤهلة لإدارة الأزمات العالمية، وهو ما قد يعني نهاية النظام الاقتصادي الدولي القائم على القواعد كما نعرفه.

بينما تحتفظ الولايات المتحدة بنفوذ غير متكافئ في النظام المالي، فإن هذا التركز في القوة يُشكِّل نقطة ضعف، حيث يعتمد الاستقرار العالمي على لاعب واحد يضع القواعد، وفي ظل استعداد إدارة ترامب لتجاهل تلك القواعد، لم يعد بالإمكان اعتبار هذا الترتيب أمراً مسلماً به.

حتى الآن، لم تبرز بدائل موثوقة، وفي غياب تغيير في السياسة الأمريكية أو ظهور شكل فعّال من التعددية، سيظل الاقتصاد العالمي مثقلاً بحالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار.