كشف تقرير حديث عن تراجع قيمة الدولار الأميركي كملاذ آمن منذ بداية عام 2024، رغم استمرار الطلب العالمي عليه، وهو ما يثير قلق المستثمرين والأسواق المالية حول تأثير هذا التراجع على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية، حيث أظهرت تحليلات البنك ارتباط الدولار بأسواق الأسهم وسندات الخزانة.

ووفقاً لبنك “إي أن جي”، فقد فقد مؤشر الدولار نحو 10 في المئة من قيمته خلال العام الماضي، مسجلاً أسوأ أداء سنوي له منذ عام 2017، ويرجع التقرير هذه الخسائر إلى السياسات التجارية الأميركية المتقلبة وتهديدات الرئيس الأميركي بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء، بالإضافة إلى الهجمات على مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مما أثر سلباً على قوة العملة الأميركية.

كما أشار التقرير إلى أن ضعف الدولار يبدو دورياً أكثر من كونه هيكلياً، حيث لا يزال المستثمرون من القطاع الخاص، الذين يمتلكون أكثر من 80 في المئة من الحيازات الأجنبية للأصول الأميركية، محتفظين باستثماراتهم، ولفت التقرير إلى أن استقلال “الفيدرالي” يمثل حجر الزاوية للاستقرار المالي العالمي، موضحاً أن أي خفض غير مناسب لأسعار الفائدة قد يؤدي إلى هجمة على الدولار.

ويتوقع البنك أن ينهي اليورو العام الحالي عند مستوى 1.22 دولار، مقارنة بالمستويات الحالية التي تبلغ نحو 1.18 دولار، مرجحاً أن انخفاض الدولار بنفس وتيرة العام الماضي غير محتمل في 2026.

الورقة الخضراء تواجه مزيداً من الضغوط

في التعاملات الأخيرة، واصل الدولار الأميركي تراجعه بينما قيم المستثمرون تداعيات حكم المحكمة العليا الذي ألغى الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كما كان المشاركون في السوق يراقبون مزيداً من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفض مؤشر الدولار الذي يتتبع أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات أخرى بنسبة 0.2 في المئة إلى مستوى 97.65 نقطة، بعدما سجل الأسبوع الماضي مكاسب أسبوعية بلغت نحو 1 في المئة، وهو أقوى أداء له في أكثر من أربعة أشهر.

ويوم الجمعة الماضي، قضت المحكمة العليا بأن رسوم ترمب الجمركية الشاملة تجاوزت سلطاته، ورد الرئيس الأميركي بهجوم على المحكمة وفرض رسوم شاملة بنسبة 15 في المئة على الواردات، وتستمر رسوم ترمب البديلة لمدة 150 يوماً، وليس من الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة مدينة للمستوردين باسترداد الرسوم المدفوعة بالفعل، حيث لم تصدر المحكمة العليا أي حكم في شأن هذه المسألة.

وقد يؤدي هذا إلى سنوات من التقاضي ومزيد من الارتباك بينما يسعى ترمب إلى وسائل أخرى لاستبدال مجموعة الرسوم الجمركية العالمية بصورة أكثر ديمومة، وإلى جانب الرسوم الجمركية، تراقب الأسواق الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، بينما تضغط على إيران للتخلي عن سعيها إلى امتلاك أسلحة نووية، ومن المتوقع إجراء مزيد من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

اليورو يصعد مستفيداً من ضعف الدولار

وفي أوروبا، صعد اليورو أمام الدولار بنسبة 0.2 في المئة إلى 1.1799، مستفيداً من ضعف الدولار المرتبط بالتجارة، يأتي هذا مع تزايد الثقة في الأداء الاقتصادي للمنطقة، مدعوماً بالبيانات الحديثة التي أظهرت تسارع النشاط التجاري في منطقة اليورو هذا الشهر بأكثر من المتوقع مع عودة قطاع التصنيع إلى النمو للمرة الأولى منذ أكتوبر الماضي، وتلقى هذا السيناريو دعماً إضافياً الإثنين الماضي، حيث ارتفع مؤشر مناخ الأعمال الألماني “إيفو” إلى 88.6 هذا الشهر، من 87.6 في الشهر السابق.

وارتفع الجنيه الاسترليني أمام الدولار بنسبة 0.1 في المئة إلى 1.3497، بعدما حظي الاسترليني بالرغبة في الشراء قبل شهادة محافظ البنك المركزي البريطاني أندرو بيلي، أمام لجنة الخزانة، والانتخابات الفرعية في المملكة المتحدة الخميس الماضي في غورتون ودينتون، وفي آسيا انخفض الين مقابل الدولار بنسبة 0.4 في المئة إلى 154.48، حيث استفاد الين الياباني من وضعه كملاذ آمن مع إظهار المتداولين درجة من الحذر بشأن تأثير الرسوم الجمركية الأميركية الأعلى في الاقتصاد العالمي، على رغم أن العطلة في اليابان حدت من النشاط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field).

تم تداول زوج الدولار-اليوان من دون تغيير يذكر عند 6.9087، مع إغلاق الأسواق الصينية احتفالاً بالعام الجديد، وانخفض زوج الدولار الأسترالي أمام الدولار الأميركي بنسبة 0.3 في المئة إلى 0.7060، وانخفض زوج الدولار النيوزيلندي مقابل الدولار الأميركي بنسبة 0.3 في المئة.

وفي تصريحات حديثة، أكد الرئيس ترمب أن الاقتصاد الأميركي أصبح “ملكاً له” أخيراً مع بداية ولايته الثانية، مشيراً إلى أن خطته للإصلاح بدأت تؤتي ثمارها، ويواجه ترمب مهمة صعبة في إقناع الناخبين الذين لا يزالون يعانون ضغوط المعيشة، إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية الناخبين غير راضين عن التعامل مع التضخم، على رغم محاولاته تسمية الوضع الحالي بـ”أعظم اقتصاد على الإطلاق”.

البطالة تتراجع لكن التضخم ما زال مرتفعاً

تشير أحدث البيانات الاقتصادية إلى تباين في المشهد، فعلى رغم من استقرار سوق العمل بإضافة 130 ألف وظيفة في يناير الماضي وانخفاض البطالة إلى 4.3 في المئة، فإن التضخم الأساس لا يزال مرتفعاً عند ثلاثة في المئة، مما يجعل القدرة على تحمل الكلفة، هي المعركة السياسية الأبرز قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.

وفي مواجهة ذلك، أطلق ترمب مبادرات لخفض كلفة السكن، شملت قيوداً على شراء المؤسسات الاستثمارية للمنازل، وضغوطاً لخفض أسعار الفائدة التي تراجعت بالفعل إلى نحو ستة في المئة للرهن العقاري، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 2.2 في المئة سنوياً لعام 2025، متأثراً بتباطؤ في نهاية العام وإغلاق حكومي قياسي، فإن الإدارة تراهن على “التحول الاقتصادي الأسرع في التاريخ” من خلال جذب استثمارات قياسية.

وفي تطور لافت، رفع ترمب أخيراً الرسوم الجمركية العالمية لتصل إلى 15 في المئة بعد قرار المحكمة العليا الذي حد من صلاحياته، وهو ما يراه البيت الأبيض وسيلة لحماية الإنتاج المحلي وزيادة الإيرادات، بينما يخشى اقتصاديون من أن يؤدي ذلك إلى زيادة أعباء الأسعار على المستهلكين ذوي الدخل المنخفض الذين أصبحوا أكثر حذراً في إنفاقهم، وعلى رغم انتعاش أسواق الأسهم وتحقيق مكاسب في الأجور الحقيقية لبعض الفئات، تظل مبيعات التجزئة تعاني تذبذب، بعدما توقف نموها بصورة غير متوقعة في ديسمبر الماضي، وتسعى الإدارة الحالية إلى تسويق “اقتصاد ترمب” كبيئة متينة قائمة على تقليل البيروقراطية بتسريح 270 ألف موظف فيدرالي، وتعزيز استقلالية الطاقة، آملة أن تترجم هذه المؤشرات إلى رضا شعبي قبل توجه الأميركيين إلى صناديق الاقتراع، في وقت يصف فيه معارضوه أزمة الغلاء بأنها التحدي الذي لم يجد طريقه للحل الجذري بعد.