يتعرض الجنيه المصري لضغوط متزايدة أمام الدولار الأمريكي، حيث يقترب من تسجيل مستويات غير مسبوقة داخل البنوك، مما يؤثر بشكل مباشر على الأسواق المالية والقرارات الاقتصادية اليومية، وسط استمرار موجة تخارجات الأموال الساخنة والتوترات الجيوسياسية في المنطقة.
يواجه الاقتصاد المصري تحديات مزدوجة، تتمثل في صدمة العملة الأجنبية وارتفاع أسعار النفط العالمية، مما يضع أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي تحت ضغط غير مسبوق.
سعر الدولار اليوم في مصر
خلال تعاملات اليوم الإثنين، يتداول الدولار في مصر عند مستويات تاريخية تقترب من 53 جنيها، وهي الأعلى داخل القطاع المصرفي، حيث بلغ مستوى 52.80 جنيه للشراء و52.90 جنيه للبيع، داخل بنوك “كريدي أجريكول” و”نكست” و”أبوظبي الإسلامي” و”الأهلي الكويتي”.
وسجل سعر الدولار في مصر مستويات متدنية عند 52.11 جنيه للشراء و52.21 جنيه للبيع، داخل بنك القاهرة، وبلغ في بنكي “الكويتي الوطني” و”قناة السويس” نحو 52.14 جنيه للشراء و52.24 جنيه للبيع.
وخلال عام 2025، سجلت العملة المصرية أداءً قويًا، حيث ارتفعت بنسبة 6.7% أمام الدولار الأمريكي، بدعم القفزة القياسية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، إلى جانب تحسن مستويات السيولة في القطاع المصرفي.
قال الخبير المصرفي، الدكتور عز الدين حسانين إن التحرك الأخير في سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار، واقترابه من 53 جنيهًا للدولار الواحد، أمر طبيعي نتيجة خروج جزء من “الأموال الساخنة”.
وأوضح حسانين لـ”العين الإخبارية” أن التوترات والحروب التي تشهدها المنطقة حاليًا تدفع المستثمرين الأجانب للبحث عن الملاذات الآمنة، وسحب مراكزهم المالية من أسواق الدول الناشئة، ومنها مصر، خوفًا من ارتفاع معدلات التضخم والقيود التي قد تُفرض على الاستثمار وتدفقات رؤوس الأموال.

ثقة مستمرة في الاقتصاد المصري
منذ بداية الحرب على إيران، سجلت مصر خروج أموال ساخنة بنحو 3.7 مليار دولار، إلا أن حسانين يرى أن بقاء 14 مليار دولار من أصل 18 مليار دولار استحقاقات في أدوات الدين المحلية يعكس استمرار ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري.
وأرجع الخبير المصرفي سبب هذه الثقة إلى “العائد الحقيقي الموجب” الذي تقدمه مصر، حيث لا يزال الفارق بين العائد الذي يحصل عليه المستثمر ومعدل التضخم يحقق نسبة أرباح حقيقية وموجبة تتراوح بين 7% إلى 8%، ما يعد من أعلى العوائد مقارنة بالأسواق المجاورة.
طمأن حسانين الأسواق بأنه، وعلى عكس الأزمات التي شهدتها مصر في أعوام 2016 و2022 وما قبل 2024، لم يحدث هذه المرة أي “نزوح جماعي” أو عمليات بيع مكثفة من قبل المستثمرين.
وتراجع حجم تداول سوق الإنتربنك (التحويلات الداخلية بين البنوك) إلى 505 ملايين دولار مقارنة بـ710 ملايين دولار يوم الخميس، حسبما كشف مصدر مصرفي لـ”العين الإخبارية”، هذه التحركات تعود إلى تخارجات “الأموال الساخنة”، حيث يقوم المستثمرون بسرعة بتسييل أصولهم بالجنيه وتحويلها للدولار.
أكد حسانين أن تحرك سعر الدولار يسير بشكل عرضي ومؤقت، موضحًا أن نطاق التداول الطبيعي قبل الأزمة كان يتراوح بين 48 و52.5 جنيه، ومع تحسن الموارد الدولارية تراجع النطاق ليصل إلى مستويات 46 و47 جنيهًا.
توقعات سعر الدولار في مصر
توقع حسانين اتساع النطاق الحالي ليتحرك الدولار بين 48.5 و52.5 جنيه، وقد يتسع ليصل إلى 55 جنيهًا أو يقترب من حاجز الـ60 جنيهًا في أقصى تقدير، ولكنه شدد على أن هذه التحركات “طارئة ومفاجئة” ولن تخلق أزمة دولار أو تؤدي لظهور السوق السوداء مجددًا، نظرًا للوفرة الدولارية الحالية لدى البنك المركزي.
ارتفعت احتياطيات مصر من النقد الأجنبي إلى 52.746 مليار دولار بنهاية فبراير/شباط الماضي، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.

استراتيجية “التسعير العقابي”
حول سياسة البنك المركزي، أشار الخبير المصرفي إلى أن المركزي لا يواجه نقصًا في العملة يضطره لخفض الجنيه، بل إنه يستخدم رفع سعر الدولار كأداة لـ”التسعير العقابي” للمستثمر المتخارج.
شرح حسانين الفكرة، قائلاً: “المستثمر الذي دخل السوق وحول دولاراته إلى جنيهات للاستثمار في أذون الخزانة، حصل على فوائد وأرباح بالجنيه، وعند رغبته في التخارج المفاجئ وشراء الدولار للعودة به للخارج، رفع المركزي سعر الدولار أمامه (على سبيل المثال من 47 جنيهاً إلى 50 أو 55 جنيهًا)”
أوضح أن هذا الإجراء يعني أن المستثمر سيشتري دولارات أقل بحصيلة الجنيهات التي يمتلكها، وبذلك يقلص المركزي هوامش أرباح المستثمر المتخارج، كنوع من العقاب المالي وفقًا لظروف العرض والطلب المفتعلة بالضغط على العملة.
التداعيات على الموازنة العامة
حذر الخبير المصرفي من أن هذا التحرك في سعر الصرف سيفاقم من أزمة عجز الموازنة العامة للدولة؛ نظرًا لارتفاع فاتورة الاستيراد، موضحًا أن الحكومة تسعر برميل البترول في الموازنة عند مستويات 82 دولارًا، بينما تتجاوز أسعاره العالمية الحالية 100 دولار.
أكد ضرورة تحوط الدولة عبر إبرام عقود آجلة (لمدة 6 أشهر أو سنة) لشراء السلع الاستراتيجية كالقمح والذرة والبترول لتثبيت الأسعار وتجنب تقلبات السوق العالمية التي قد تتجاوز المخصصات المالية في الموازنة.
aXA6IDM3LjQ5LjIyOC4yMjkg جزيرة ام اند امز

