في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية، شهد سعر صرف الوون الكوري الجنوبي تراجعًا ملحوظًا أمام الدولار الأمريكي، حيث بلغ متوسط سعر الصرف 1493.29 وون خلال الأسبوع الممتد من 16 إلى 20 مارس، مما يعكس تأثيرات متزايدة على الأسواق المحلية والقرارات المالية اليومية للأفراد والشركات، ويشير إلى اقتراب الوون من مستويات لم يشهدها منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، حيث بلغ متوسط السعر الشهري 1483.4 وون للدولار، وهو الأعلى منذ بداية العام.

تجاوز سعر صرف الوون الكوري مستوى 1510 وون للدولار، وهو الأعلى منذ 17 عامًا، مما يعكس ضغوطًا اقتصادية كلية على الاقتصاد الكوري الجنوبي، حيث استمر السعر فوق مستوى 1500 وون لجلسات تداول متتالية، مما يزيد من احتمال تسجيل مستويات جديدة على المدى المتوسط.

على صعيد الأفراد والشركات، فإن الأسعار الفعلية أعلى بكثير، حيث سجلت البنوك التجارية حوالي 1530 وون للدولار، بينما وصلت في بعض مكاتب الصرف بالمطارات إلى 1570 وون، مما يعكس أن الضغوط لم تعد مقتصرة على السوق المالية بل امتدت لتشمل الاقتصاد الحقيقي.

الضعف في الوون لا يعود بالكامل إلى قوة الدولار، حيث انخفض مؤشر الدولار بنسبة 1% خلال نفس الفترة، بينما ارتفعت قيمة اليورو والين والجنيه الإسترليني، مما يشير إلى أن العوامل الداخلية هي السبب الرئيسي، حيث ارتفع الطلب على الدولار بسبب ارتفاع أسعار النفط وسط التوترات في الشرق الأوسط، مما ضغط على سعر الصرف.

كذلك، يُعتبر صافي تدفق الأموال الخارجة من المستثمرين الأجانب، والذي بلغ حوالي 29.9 تريليون وون خلال الأسابيع الخمسة الماضية، عاملاً مهمًا، حيث أدى بيع المستثمرين الأجانب للأسهم والسندات الكورية الجنوبية إلى زيادة الطلب على الدولار، مما زاد من الضغط على الوون.

أسعار الفائدة المرتفعة: عقبة رئيسية أمام الفائزين

تؤثر أسعار الفائدة العالمية بشكل كبير، حيث أدى قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بالإبقاء على سعر الفائدة القياسي إلى إضعاف التوقعات بخفض أسعار الفائدة، مما دفع تدفقات رأس المال العالمية نحو الأصول المقومة بالدولار، مما يزيد الضغط على عملات الأسواق الناشئة مثل كوريا الجنوبية.

حاليًا، يبلغ فارق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية حوالي 1.25%، مما يضع بنك كوريا المركزي في موقف صعب، حيث إذا لم يرفع البنك أسعار الفائدة، سيزداد الضغط على سعر الصرف، أما إذا رفعها، سترتفع تكاليف الاقتراض المحلي بشكل حاد، مما يشكل خطرًا على النمو.

تشير التطورات في سوق السندات إلى تزايد الضغوط على أسعار الفائدة، حيث ارتفع عائد سندات الحكومة الكورية الجنوبية لأجل ثلاث سنوات من حوالي 3.04% إلى أكثر من 3.4%، كما ارتفع عائد سندات البنوك لأجل خمس سنوات إلى حوالي 3.9%.

بالنسبة للشركات، اقترب عائد السندات لأجل ثلاث سنوات من 4%، مما زاد من تكلفة الحصول على رأس المال، وهو ما يؤثر بشكل خاص على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتأثر بشدة بتقلبات أسعار الفائدة، كما بدأت تظهر بوادر ضائقة مالية مع ارتفاع معدل القروض المتعثرة في البنوك، لا سيما بين الشركات الصغيرة.

في هذا السياق، تبقى قدرات صنع السياسات محدودة، حيث رغم احتفاظ كوريا الجنوبية باحتياطيات نقد أجنبي تُقدّر بنحو 410 مليارات دولار، يحذر الخبراء من أن التدخل المطوّل في سوق الصرف قد يأتي بنتائج عكسية، مما يقوّض ثقة السوق، كما أن خطة الإنفاق الحكومي الإضافية لمعالجة تداعيات الصراع في الشرق الأوسط قد تزيد من المعروض من السندات، مما يرفع أسعار الفائدة في السوق.

يصعب استخدام أدوات السياسة التقليدية بفعالية.

قال كبير الاقتصاديين جو وون، نائب مدير البحوث الاقتصادية في معهد هيونداي للأبحاث، إن كوريا الجنوبية في مأزق، حيث تجد صعوبة في رفع أو خفض أسعار الفائدة بسبب الضغط على الطلب المحلي.

أفاد معهد التنمية الكوري (KDI) بأن تأثير ضعف سعر الصرف يتجاوز الأسواق المالية، حيث تشير التقديرات إلى أن كل زيادة بنسبة 1% في سعر الصرف ستؤدي إلى زيادة إضافية في التضخم بنسبة 0.04%، ومع تجاوز أسعار النفط 110 دولارات للبرميل، فإن التأثير المشترك لأسعار الطاقة وسعر الصرف قد يُفاقم الضغوط التضخمية في الأشهر المقبلة، كما أن أسعار الفائدة المرتفعة تزيد من عبء ديون الأسر المرتفعة أصلاً.

يحذر الخبراء من أن الاقتصاد الكوري الجنوبي يواجه خطر “التضخم الراكد”، حيث يرى البروفيسور كانغ سونغ جين، الخبير الاقتصادي بجامعة كوريا، أن هذه صدمة عرض ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وقد يرتفع سعر الصرف إلى نطاق 1550-1600 وون كوري للدولار، مما يؤدي إلى ضغوط تضخمية مرتفعة.

يرى المحللون أن التوقعات قصيرة الأجل للوون ستعتمد بشكل أساسي على التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ومسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، في حين من المرجح أن تقتصر أدوات السياسة الداخلية على تخفيف حدة التقلبات، مما يجعل تحقيق التوازن بين الاستقرار والنمو أكثر صعوبة من أي وقت مضى.