تسعى أوروبا لتعزيز مكانة اليورو في النظام المالي العالمي، لكن النجاح الذي تحققه العملة الأوروبية يثير قلقًا متزايدًا بشأن ارتفاع قيمتها، مما يضع التكتل أمام تحديات جديدة في ظل تراجع الدولار الذي قد يؤدي إلى آثار سلبية على صادراته وقراراته الاقتصادية اليومية.

هذا الأسبوع، شهد سعر صرف اليورو ارتفاعًا ملحوظًا، حيث تجاوزت قيمته 1.20 دولار لأول مرة منذ أربع سنوات، مما أثار قلق البنك المركزي الأوروبي والصناعات الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه قد يجذب استثمارات محلية وأجنبية تشتد الحاجة إليها.

بينما تركز الأنظار على تراجع الدولار، فإن قوة اليورو تزداد منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، حيث ارتفع مؤشر اليورو المرجح بالتجارة بأكثر من 7%، مدعومًا بزيادة 16% مقابل الدولار، بالإضافة إلى مكاسب تتجاوز 10% مقابل اليوان الصيني والين الياباني.

التوترات المحيطة بهذا الارتفاع بدأت تظهر، حيث أبدى مسؤولو البنك المركزي الأوروبي قلقهم من تأثير أي زيادة كبيرة في قيمة اليورو على صادرات الصناعات الأوروبية، مما قد يهدد تحقيق هدف التضخم المحدد عند 2%، وهو ما يدفعهم للتفكير في خفض أسعار الفائدة.

مارتن كوخر، رئيس البنك المركزي النمساوي، أشار إلى إمكانية اتخاذ إجراءات إذا استمر ارتفاع اليورو، بينما قال فرانسوا فيليروي دي غالهو، رئيس بنك فرنسا، إن البنك المركزي الأوروبي يراقب الوضع عن كثب.

هذه التصريحات أثرت على أسواق المال، حيث تم تسعير احتمال بنسبة 25% لخفض أسعار الفائدة بحلول منتصف العام، مما أدى إلى تراجع سعر صرف اليورو مرة أخرى إلى ما دون 1.20 دولار.

على الرغم من هذه التحديات، هناك جانب إيجابي، حيث يمكن أن تشجع حركة سعر الصرف على إعادة توجيه الاستثمارات نحو أوروبا بعد سنوات من التحيز نحو الاستثمارات الأمريكية.

إذا جاء تسهيل الائتمان من البنك المركزي الأوروبي نتيجة لقوة اليورو، فقد يخفف من عبء الاقتراض الحكومي الأوروبي، كما أن انخفاض أسعار الطاقة بالدولار قد يقلل من الأثر السلبي على قطاع الأعمال.

تحتاج اقتصادات أوروبا إلى تريليونات اليورو لتمويل الدفاع والتكنولوجيا المبتكرة، في وقت تسعى فيه المنطقة لتحقيق “استقلال استراتيجي” في ظل التغيرات العالمية.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، دعت إلى تعزيز دور اليورو كأصل احتياطي، لكن يبقى اليورو بعيدًا عن منافسة الدولار في احتياطيات البنوك المركزية العالمية.

تحقيق ذلك ليس سهلاً دون مواجهة تقلبات سعر الصرف، مما يضع أوروبا في مواجهة معضلة مشابهة لتلك التي تواجهها واشنطن، حيث تسعى إدارة ترمب لتقليل قيمة الدولار لتعزيز التجارة.

لكن السنوات الماضية من مكاسب الدولار كانت نتيجة لأداء اقتصادي قوي، مما يجعل من الصعب خفض قيمة العملة دون التأثير على الاقتصاد ككل.

محللو إستراتيجيات سيتي أشاروا إلى أن السعي وراء ضعف الدولار قد يضر بالطلب الأجنبي على سندات الخزانة، بينما حذروا من أن الانخفاض السريع في قيمة الدولار قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، مما يمثل تحديًا للاحتياطي الفيدرالي.

سوسيتيه جنرال أكدت أن الجزء الأكثر هشاشة في انكشاف الولايات المتحدة على المستثمرين الأجانب يكمن في الديون، حيث تزامن الاضطراب التجاري مع تراجع حصة أمريكا من استثمارات الديون العالمية.

وزير الخزانة سكوت بيسنت كان مدركًا لهذه المخاطر، حيث حاول تهدئة الأوضاع بالتأكيد على أن “لدينا سياسة قوية للدولار” بعد تصريحات ترمب.

لكن كما أشار بيسنت، فإن “قوة” الدولار تعني مكانته كعملة احتياطية، وليس بالضرورة قيمته في أسواق العملات، مما يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات الاقتصادية الحالية.