تشهد الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار الطاقة وسوق العملات، مما ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، حيث تراجع الجنيه أمام الدولار وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات تفوق التقديرات في الموازنة العامة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية بعد الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران.
يؤكد خبراء الطاقة أن هذه التطورات قد تضغط على تكلفة دعم الوقود في مصر، بينما يشير البعض إلى أن المخزون الاستراتيجي من المنتجات البترولية يمنح الحكومة مجالًا للتأجيل في اتخاذ قرارات تعديل الأسعار، ومع ذلك يبقى مسار الأزمة الجيوسياسية ومدى استمرارها هو العامل الحاسم في تحديد تأثيراتها على سوق الوقود والاقتصاد المحلي.
تراجع الجنيه المصري بنحو 9% أمام الدولار خلال الأيام التسعة الأولى من الحرب، ليسجل أدنى مستوى له على الإطلاق، نتيجة خروج المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة المحلية.
كما سجل الدولار قفزة تاريخية خلال تعاملات اليوم، متجاوزًا مستوى 52 جنيهًا لأول مرة، وفق بيانات البنك الأهلي المصري وبنك مصر، أكبر بنكين في القطاع المصرفي.
يواجه الجنيه ضغوطًا متزايدة منذ بداية الحرب بسبب خروج المستثمرين الأجانب أو ما يعرف بـ”الأموال الساخنة” من أدوات الدين المحلية، مما زاد الطلب على الدولار وتراجع قيمة العملة المحلية، لتفقد بذلك جزءًا من المكاسب التي حققتها خلال الأشهر الثمانية الماضية.
وعلى صعيد أسواق الطاقة، ارتفعت أسعار النفط العالمية مع تصاعد التوترات، حيث سجل خام برنت عند إغلاق تعاملات الأسبوع نحو 93.04 دولارًا للبرميل، بينما بلغ سعر الخام الأمريكي نحو 90.9 دولارًا للبرميل.
تقدر الموازنة العامة للدولة سعر برميل النفط للعام المالي الحالي بنحو 75 دولارًا، مما يعني أن استمرار الأسعار العالمية أعلى من هذا المستوى قد يزيد الضغوط على تكلفة دعم الوقود.
ارتفاع الدولار والنفط لا يعني زيادة فورية في أسعار الوقود
قال الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين، إن الارتفاع الأخير في سعر الدولار وبعض التحركات في أسعار النفط عالميًا لا يعني بالضرورة حدوث زيادات فورية في أسعار الوقود داخل السوق المحلية، مشيرًا إلى أن تأثير هذه العوامل يظل محدودًا على المدى القصير في ظل توافر مخزون استراتيجي من المنتجات البترولية.
وأوضح أن الزيادة التي شهدها الدولار خلال الأيام الأخيرة تمثل نسبة محدودة نسبيًا، كما أن تحركات أسعار النفط منذ بداية التوترات الجيوسياسية لم تصل إلى مستويات حادة يمكن أن تنعكس بشكل مباشر على الأسعار المحلية في الوقت الحالي.
وأضاف عرفات أن الدولة تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من الوقود يهدف أساسًا إلى مواجهة مثل هذه الأزمات والتقلبات المؤقتة في الأسواق العالمية، مما يمنح الحكومة مساحة من الوقت قبل اتخاذ أي قرارات تتعلق بتعديل الأسعار.
وأشار إلى أن القلق الحقيقي قد يظهر فقط في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة تؤدي إلى تراجع المخزون الاستراتيجي إلى مستويات منخفضة، مما قد يضطر الدولة إلى زيادة الاستيراد بالأسعار الجديدة في الأسواق العالمية، وبالتالي إعادة النظر في الأسعار المحلية.
ولفت عرفات إلى أن بعض الزيادات التي تشهدها الأسواق حاليًا في أسعار بعض السلع لا تستند إلى مبررات اقتصادية حقيقية، وإنما ترتبط أحيانًا بما يعرف بـ”تجارة الأزمات”، حيث يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار استباقيًا مستغلين حالة القلق في الأسواق.
وأكد أن العوامل المرتبطة بسعر الصرف أو تكاليف النقل والشحن قد تؤثر في بعض الحالات، خاصة إذا ارتفعت المخاطر في مسارات الشحن المرتبطة بالمنطقة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة حدوث زيادات فورية في الأسعار طالما أن السوق يعتمد حاليًا على مخزونات تم توفيرها مسبقًا.
النفط فوق 90 دولارًا قد يزيد أعباء الموازنة بعشرات المليارات
قال الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى ما يتجاوز 90 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع صعود سعر الدولار في مصر إلى نحو 52 جنيهًا، قد يضع ضغوطًا إضافية على تكلفة توفير المنتجات البترولية في السوق المحلية.
وأوضح أن الموازنة العامة للدولة وضعت تقديرات لسعر برميل النفط عند نحو 75 دولارًا، مما يعني أن أي زيادة في السعر العالمي فوق هذا المستوى تتحملها الدولة كفجوة في تكلفة الاستيراد وتوفير الوقود.
وأضاف القليوبي أن كل زيادة قدرها دولار واحد في سعر برميل النفط فوق السعر التقديري في الموازنة تكلف الدولة نحو 3 مليارات جنيه إضافية، مما يعني أن الفارق الحالي الذي يقترب من 15 دولارًا قد يرفع الأعباء على الموازنة بعشرات المليارات من الجنيهات.
وأشار إلى أن قدرة الحكومة على الاستمرار في تثبيت أسعار الوقود محليًا ترتبط بعاملين رئيسيين: أولهما مدة استمرار الأزمة الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الطاقة عالميًا، وثانيهما حجم المخزون الاستراتيجي من المنتجات البترولية المتوافر لدى الدولة لتلبية احتياجات السوق المحلية
ولفت إلى أنه في حال استمرار ارتفاع الأسعار لفترة طويلة أو تراجع المخزون الاستراتيجي، فقد تضطر الحكومة إلى إعادة تقييم الأسعار خلال اجتماعات لجنة تسعير المواد البترولية المقرر انعقادها بنهاية الشهر، بما يعكس التطورات في أسعار النفط العالمية.
وأكد القليوبي أن اضطرابات أسواق الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية لا تقتصر آثارها على مصر فقط، بل تمتد إلى العديد من الدول، حيث شهدت بعض الأسواق العالمية زيادات في أسعار الوقود خلال الفترة الأخيرة نتيجة ارتفاع تكلفة النفط.

