شهدت أسواق الذهب والفضة انتعاشًا ملحوظًا مع بدء التداولات الأوروبية، بعد أن عانت من تراجع حاد يوم الجمعة، ورغم هذا الانتعاش، لا يزال الذهب منخفضًا بنحو 3% في وقت كتابة التقرير، بعد أن سجل تراجعًا يصل إلى 10% خلال الساعات الماضية.

استمرت حالة التقلب في أسواق المعادن مع بداية الأسبوع، حيث انخفض الذهب في البداية إلى مستوى 4400 دولار قبل أن يعود للارتفاع سريعًا ليقترب من 4780 دولار خلال بضع ساعات فقط.

أما الفضة، فقد هبطت إلى أدنى مستوى عند 71.38 دولار، قبل أن ترتد بقوة إلى نحو 83.50 دولارًا بحلول منتصف تعاملات لندن، ويأتي هذا التذبذب الحاد بعد ما يمكن وصفه بـ«الجمعة السوداء» للمعادن النفيسة، حيث استغل بعض المتداولين الانخفاض الحاد للشراء، مما دعم هذا الارتداد السريع.

قد يدفع هذا الصعود القوي على المدى القصير بعض المستثمرين إلى جني الأرباح والخروج من السوق، مما يفتح الباب أمام موجة جديدة من التقلبات مع دخول المستثمرين الأميركيين إلى التداول، ومن المرجح أن تظل أسعار الذهب شديدة التقلب، لا سيما في الأيام الأولى من الأسبوع، ومع ذلك، تراجعت المخاوف الجيوسياسية بشكل ملحوظ بعد تصريحات ترامب التي أبدى فيها أمله في توصل طهران إلى اتفاق، مما خفّض احتمالات التصعيد العسكري مع إيران، وقد انعكس ذلك أيضًا على أسعار النفط التي سجلت تراجعًا واضحًا.

لاحقًا هذا الأسبوع، سيتجه تركيز الأسواق إلى البيانات الاقتصادية الأميركية وحركة الدولار، لما لهما من تأثير مباشر على اتجاه أسعار الذهب، وبعد الهبوط الحاد الذي شهده الأسبوع الماضي، من المحتمل أن يكون الذهب قد سجّل قمة مؤقتة على المدى القريب، ما يجعله هدفًا محتملًا للمتداولين ذوي النظرة السلبية الذين يفضلون البيع قرب مستويات المقاومة.

ماذا بعد الهبوط الكبير يوم الجمعة؟
شهد الذهب والفضة يوم الجمعة أحد أكبر الانخفاضات النسبية في سنوات، بعد موجة صعود قوية دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية قبل يوم واحد فقط، ورغم أن الذهب أغلق بعيدًا عن أدنى مستوياته، إلا أنه أنهى الجلسة منخفضًا بنحو 9%، ليستقر دون مستوى 5000 دولار النفسي، مسجلًا أكبر هبوط يومي منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أما الفضة، فقد كانت الخسائر أشد، إذ تراجعت بأكثر من 26% عند الإغلاق، وبما يصل إلى 36% خلال الجلسة، وهو انخفاض قياسي داخل اليوم.

اتسمت أسواق المعادن النفيسة في الأيام الأخيرة بتقلبات حادة للغاية، خصوصًا الفضة التي شهدت تحركات عنيفة خلال الجلسات اليومية، مما شكّل إشارة تحذيرية مبكرة، بعض المستثمرين التقط هذه الإشارات وسارع بالخروج من السوق عند أولى علامات الاضطراب، وقد نشهد سلوكًا مشابهًا خلال الفترة المقبلة مع الارتدادات الحالية.

كانت المخاوف من تآكل قيمة العملات أحد العوامل الرئيسية التي دفعت المستثمرين إلى الإقبال على الذهب والفضة، خاصة في ظل الشكوك حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، مع ضغوط ترامب المتكررة لخفض أسعار الفائدة، إلا أن اختياره كيفن وورش، المعروف بتوجهه الأكثر تشددًا نسبيًا، بدلًا من جيروم باول، غيّر المعادلة.

أدى هذا القرار إلى تعافٍ قوي في الدولار الأميركي، بعدما قلّص المستثمرون رهاناتهم على خفض الفائدة وأقبلوا على شراء الدولار الذي كان يعاني من بيع مفرط، وإذا استمر هذا التعافي خلال الأيام المقبلة، فمن المرجح أن يشكّل ضغطًا إضافيًا على أسعار المعادن النفيسة.

في الوقت نفسه، كانت التوترات الجيوسياسية والحروب التجارية قد عززت جاذبية المعادن كملاذ آمن، إلا أن اللهجة التصالحية التي تبناها ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع خففت من احتمالات اندلاع صراع عسكري مع إيران، وأي إشارات إضافية على تهدئة الأوضاع قد تكون سلبية للأصول الآمنة.

البيانات المرتقبة واجتماعات البنوك المركزية
سيتحول اهتمام المستثمرين تدريجيًا نحو الاقتصاد الأميركي مع صدور مجموعة من البيانات المهمة هذا الأسبوع، يتصدرها تقرير الوظائف الأميركية يوم الجمعة، كما تترقب الأسواق اجتماعات وتصريحات كل من البنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا، وبنك الاحتياطي الأسترالي.

عانى الدولار الأميركي من أداء ضعيف في بداية العام، قبل أن يسجل قفزة قوية يوم الجمعة، ويبقى السؤال مطروحًا: هل يمثل هذا التحرك بداية تغير في الاتجاه؟ بيانات الوظائف القوية قد تعزز هذا السيناريو، في حين أن أي نتائج مخيبة قد تعيد إحياء التوقعات بخفض أسعار الفائدة، مما قد يمنح الذهب دفعة صعودية جديدة

التحليل الفني للذهب
كسر الذهب لمستوى 5000 دولار النفسي يؤكد النظرة السلبية على المدى القصير، وهو ما انعكس بالفعل في استمرار الضغوط البيعية قبل أن يجد السعر دعمًا قويًا في المنطقة ما بين 4350 و4550 دولارًا، وتمثل هذه المنطقة تلاقي مقاومة سابقة مع خط اتجاه صاعد قصير الأجل.

من المرجح أن يحتاج السوق إلى وقت كافٍ لاستيعاب هذه التحركات الحادة قبل ظهور إشارات واضحة على تكوّن قاع جديد، وحتى ذلك الحين، يظل الاتجاه الأقرب هو الهبوط، مع تحمّل المشترين مسؤولية إثبات قدرتهم على استعادة السيطرة بعد الصدمة الكبيرة التي شهدها السوق يوم الجمعة.