يواجه الدولار الأميركي ضغوطًا بيعية متزايدة مع بداية عام 2026، نتيجة تحول مفاجئ في سياسات واشنطن التي تميل نحو تعزيز تنافسية الدولار من خلال إضعافه، وهو ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم المالية وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية، مما أثر بشكل مباشر على حركة الأموال والأسواق المالية.
تظهر المؤشرات أن الدولار يتجه لتسجيل أكبر هبوط له خلال ثلاثة أيام أمام سلة من العملات الرئيسية منذ أبريل الماضي، حيث أدت الرسوم المفروضة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى موجة بيع غير مسبوقة تقريبًا للأصول الأميركية.
في عامه الأول، أسهمت سياسات ترامب المتقلبة في التجارة والدبلوماسية، بالإضافة إلى هجماته على الاحتياطي الفيدرالي وزيادات الإنفاق العام، في تراجع الدولار بنحو 10%.
أداء الدولار الضعيف
يستمر الدولار في الأداء الأضعف مقارنة بعملات رئيسية مثل اليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.
قالت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في «برينسيبال أسِت مانجمنت»، التي تدير أصولًا تتجاوز قيمتها 600 مليار دولار: «هناك عدد من العوامل تتقاطع معًا، لا أعتقد أن هذا توجه بعنوان: (بيع أميركا)، لكن الأساسيات تتلاقى وبوتيرة أسرع من المتوقع»
هذا الشهر، هدد ترامب بالسيطرة على غرينلاند وفرض رسوم إضافية على حلفاء أوروبيين، كما اتخذ خطوات لتوجيه اتهام جنائي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وأشرف على عملية للسيطرة على رئيس فنزويلا، وفي يوم السبت، هدد كندا بحصار تجاري فعلي.
رغم تراجعه عن تهديداته بشأن غرينلاند والرسوم الأوروبية، لا تزال الأجواء العامة مشحونة بالتوتر.
تظل مؤشرات تقلبات الأسواق مرتفعة، بينما تتسم معنويات سوق السندات بالهشاشة، خاصة في ظل موجة بيع قوية في الديون الحكومية اليابانية قد تمتد إلى سندات الخزانة الأميركية، كما أن استمرار الذهب في تسجيل مستويات قياسية جديدة يشير إلى بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة بديلة.
تؤدي سياسات ترامب الداخلية، بما في ذلك تشديد صارم على الهجرة غير الشرعية، إلى زيادة احتمال إغلاق حكومي جديد خلال الشهر الجاري.
أسعار الفائدة تضغط على الدولار
تزداد الضغوط على الدولار مع توقعات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل هذا العام، بينما تتوقف بنوك مركزية كبرى أخرى عن التيسير أو قد ترفع الفائدة.
هذا يجعل الدولار أقل جاذبية للمستثمرين الذين قد يفضلون توجيه أموالهم إلى أسواق ترتفع فيها عوائد الإقراض.
من المقرر أن يغادر باول منصبه في مايو، وبعد مقاومته لضغوط ترامب من أجل خفض أسرع للفائدة، بدأت أسواق المراهنات عبر الإنترنت تمنح احتمالًا بنسبة 50% لأن يكون ريك رايدر من «بلاك روك»، وهو من دعاة خفض الفائدة، الخليفة المحتمل، مما يزيد من ضعف الدولار.
تنويع الاستثمارات بعيداً عن أميركا
في المقابل، شهدت الأسهم العالمية قفزة قوية العام الماضي، مدفوعة بالحماسة تجاه الذكاء الاصطناعي، لكن أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 منذ تنصيب ترامب جاء أضعف مقارنة بأسواق أخرى، حيث ارتفع بنحو 15% فقط، مقابل صعود 95% لمؤشر كوسبي في سيول، و40% لمؤشر نيكاي في طوكيو، ونحو 30% للمؤشر الرئيسي في شنغهاي.
قال كريس سكيلونا، كبير الاقتصاديين في «دايوا كابيتال ماركتس»: «مديرو الأصول يحرصون على مواصلة تنويع استثماراتهم بعيدًا عن أميركا، حيث يشعر كثيرون بأنهم مفرطون الوزن في الأسواق الأميركية»
يؤكد ترامب مرارًا أن الرسوم الجمركية ضرورية لمعالجة الاختلالات التجارية، مع تركيز خاص على عملات دول آسيوية تربطها بالولايات المتحدة عجز تجاري كبير.
يوم الجمعة، رأت الأسواق أن بنك اليابان، بالتعاون مع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، أجرى سلسلة من «فحوصات الأسعار» للين، في خطوة قد تمهد لأول تدخل مشترك بين اليابان وأميركا منذ 15 عامًا لدعم العملة اليابانية.
رغم القفزة اللاحقة للين، فإنه لا يزال منخفضًا بنحو 13% أمام الدولار خلال العام الماضي.
الدولار الموزون تجارياً
وعلى أساس مرجح بالتجارة، لم يفقد الدولار سوى نحو 5.3% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، وفقًا لمؤشر يحسبه بنك التسويات الدولية.
قال دومينيك بانينغ، رئيس استراتيجية عملات مجموعة العشرة في «نومورا»، إن قلق المستثمرين من انكشافهم على الدولار يتزايد، مشيرًا إلى أن تراجع العام الماضي كان مدفوعًا أكثر بعوامل دورية مثل تباطؤ النمو.
أضاف: «الاختلاف هذا العام، برأيي، أن السياسات التي تطبقها الولايات المتحدة باتت أكثر عدائية وجيوسياسية، لا اقتصادية بحتة كما في حالة الرسوم الجمركية»
رويترز.

