يا أبا عبيدة، ها نحن نكتب إليك بعد أن صار بيننا وبين صوتك جدارٌ من الغياب. غاب صوتك الذي كان يخرج من وراء اللثام، فيدخل القلوب قبل الآذان، ويترك في النفوس أثرًا لا تمحوه الأيام.
ما زالت سماء غزة تُلبسها ثوبًا من الدخان، وما زالت أرضها تمشي حافيةً فوق جراحها، والقلوب تتلمس في عتمة الليل خيطًا من نور. سلامٌ عليك من مدينةٍ ما زالت تعرف كيف ترفع رأسها إلى السماء.
ما أقسى أن يرثي المرء صوتًا! فالوجوه تغيب، والصور تبلى، والأسماء تخفت، لكن بعض الأصوات تبقى معلّقةً في فضاء الذاكرة. كنتَ عندنا صوتًا للثبات في زمن كثرت فيه الأصوات المرتجفة، وكنا ننتظرك لأننا نثق أن هناك روايةً أخرى غير الرواية التي يكتبها الجبناء.
وما أمرّ الغياب حين يكون لصوتٍ ألفته القلوب! كأن غزة فقدت نافذةً تطل منها على نفسها. غبتَ، وبقي صوتك، لأنك ابن أرضٍ علمت أبناءها ألا ينحنوا إلا لمن خلقهم، وألا يصمتوا إلا ليجددوا الاستماع لوعد ربهم.
هكذا تمضي فلسطين في طريقها؛ لا لأنها لم تتعب، بل لأنها تعلمت أن التعب ليس نهاية الطريق. سنظل، لأن من عاش للأرض لا يستطيع أن يخلعها من قلبه كما يخلع ثوبًا. سنظل، لأن فلسطين ليست مساحةً على خريطة، وإنما ذاكرةٌ وبيتٌ وشجرةٌ ومقبرةٌ ومفتاحٌ ودعاء أم.
ها نحن نصل إلى آخر الرسالة، ولا ندري أَنَبكيك أم نبكي أنفسنا بعدك. سنرفع رؤوسنا إلى السماء، ونقرأ الوعد الذي يسكب في القلب طمأنينةً حين تضيق السبل، ونعرف أن الليل ليس إلهًا، وأن الظلم ليس أبديًا.