تعيش الأسواق المالية الأمريكية حالة من الترقب مع استعراض تاريخ الاضطراب النقدي الذي شهدته البلاد في القرن التاسع عشر، حيث كانت تتداول أكثر من 10 آلاف نوع من الأوراق النقدية بقيم عشوائية، مما أثر بشكل مباشر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية للمواطنين، وهو ما جعل الكونغرس الأوائل يدركون حجم المشكلة الناتجة عن غياب الضوابط على إصدار النقود.
يقول المؤرخ جوشوا غرينبيرغ في كتابه “الأوراق النقدية والسيوف: الهوس بالعملة الورقية في بدايات الجمهورية” إن الوضع كان حاداً في نيو إنجلاند، حيث أصدرت إدارة حديثة في رود آيلاند كميات هائلة من الأوراق النقدية الحكومية عام 1786، مما زاد من تعقيد المشهد النقدي
في تلك الفترة، منع واضعو الدستور الولايات من “سك العملة”، ومنحوا هذا الحق للبنك الأول للولايات المتحدة، مما أدى إلى انتشار بنوك مرخصة وغير مرخصة في جميع أنحاء البلاد، حيث وصل عددها إلى أكثر من 2000 بنك بين عامي 1782 و1860، مما أسفر عن فوضى نقدية عارمة تتكون من نحو 10000 نوع مختلف من الأوراق النقدية، صادرة عن مئات البنوك، تحت لوائح حكومية متنافسة وأحياناً متناقضة وفق iflscience.
العيش في الجنون
وفي مذكراته عام 1840، وصف مسافر تجربته قائلاً: “انطلقت من فرجينيا ومعي نقود فرجينيا؛ وصلت إلى نهر أوهايو؛ استبدلت ورقة نقدية من فرجينيا بقيمة 20 دولاراً بضمادات للساق وورقة نقدية من بنك ويست يونيون بقيمة 3 دولارات، أنفقت الـ 3 دولارات على وجبة إفطار؛ وصلت إلى تينيسي؛ استلمت ورقة نقدية من تينيسي بقيمة 100 دولار؛ عدت إلى كنتاكي؛ اضطررت هناك إلى استبدال ورقة تينيسي بـ88 دولاراً من نقود كنتاكي؛ انطلقت عائداً إلى المنزل ومعي نقود كنتاكي
قيمة الأوراق النقدية
اعتمدت قيمة الأوراق النقدية على مجموعة من المعلومات الداخلية، مثل المكان الجغرافي الذي صدرت فيه، حيث كانت قيمتها تنخفض كلما ابتعدت عن مكان إصدارها، ومن أصدرها، حيث كانت الأوراق النقدية الصادرة عن بنوك مستقرة تجلب المزيد من القيمة، بينما كانت الأوراق الصادرة عن شركات مشبوهة تُرفض بشكل قاطع، بالإضافة إلى القوانين واللوائح المحلية، مما زاد من تعقيد المشهد النقدي.
ولم يقتصر الاضطراب على تفاوت القيم فقط، بل شمل أيضاً انتشار التزوير، حيث كانت بعض الأوراق المزيفة تبدو أكثر فخامة من الحقيقية، مما صعّب مهمة التمييز بينها، بل وصلت الأمور إلى طباعة أوراق نقدية تحمل صوراً غريبة مثل صورة بابا نويل في محاولة لكسب ثقة المتعاملين.
استمر هذا النظام الفوضوي حتى اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية عام 1861، حين واجهت الحكومة الفيدرالية أزمة مالية حادة جعلتها عاجزة عن دفع رواتب الجنود وتأمين الإمدادات، مما دفع الحكومة إلى إصدار عملة موحدة عام 1862 عُرفت باسم “الأوراق الخضراء”.
للمرة الأولى، أصبحت الأوراق النقدية صادرة عن الحكومة الفيدرالية ومعترفاً بها في جميع الولايات الشمالية بالقيمة نفسها، مما أنهى تدريجياً فوضى العملات المحلية وقلّص الاضطراب في الأسواق.
بالتزامن مع ذلك، تم إنشاء نظام البنوك الوطنية الخاضعة للرقابة الفيدرالية، مما عزز الثقة بالعملة الجديدة وربطها بالسندات الحكومية، وضمان استقرارها على المدى الطويل.
ومع مرور الوقت، أصبح الدولار الموحد أساس النظام المالي الأمريكي، وانتقلت البلاد من عصر الفوضى النقدية إلى مرحلة أكثر استقراراً وتنظيماً، ولم يكن هذا التحول نتيجة تخطيط طويل، بل جاء مدفوعاً بضرورات الحرب التي فرضت على الحكومة اتخاذ قرارات غيرت شكل الاقتصاد الأمريكي إلى الأبد.
بهذا الشكل، أنهت الولايات المتحدة مرحلة تاريخية اتسمت باضطراب مالي غير مسبوق، لتؤسس نظاماً نقدياً موحداً ما زال يشكل العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي حتى اليوم.

