تتجه الأنظار إلى أسواق الطاقة مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، حيث تثير الاضطرابات المتزايدة مخاوف من تداعيات اقتصادية عميقة قد تؤثر على حركة الأموال والقرارات الاقتصادية اليومية، وسط تحذيرات من أن الأسوأ لم يأت بعد إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، مما يضع الأسواق في حالة ترقب شديد لمزيد من التأثيرات السلبية.
تشير مجلة إيكونوميست البريطانية إلى أن الآثار الاقتصادية الناتجة عن الحرب في إيران وامتداد الصراع في المنطقة ستكون جسيمة ولكنها متفاوتة، حيث ستعاني بعض المناطق أكثر من غيرها، وبالأخص أوروبا وآسيا، مما يعكس تنوع التأثيرات على الاقتصاد العالمي.
وتوضح المجلة أن جيلًا من الاقتصاديين اعتقد أن الصدمات النفطية الكبرى أصبحت من الماضي، عندما كان إنتاج الطاقة مركزًا في الشرق الأوسط، بينما لم يكن الاقتصاد العالمي يتمتع بالكفاءة العالية في استخدام الطاقة، لكن الأحداث الأخيرة أعادت هذه الفكرة إلى الواجهة، حيث أثبتت أن صدمة كبيرة في الخليج لا تزال قادرة على إشعال أزمة عميقة، والصدمة الحالية المنطلقة من مضيق هرمز تعتبر هائلة.
حيث حاصرت الصواريخ الإيرانية حوالي 15% من إمدادات النفط العالمية على الجانب الآخر من المضيق، وهو ما يعادل تقريبًا ضعف الاضطراب الذي شهدته الأسواق في سبعينيات القرن الماضي، مما يعكس أن كثافة استهلاك الطاقة في الاقتصاد العالمي قد انخفضت إلى النصف منذ ذلك الحين، ورغم إعلان وكالة الطاقة الدولية في 11 مارس عن إطلاق ما يصل إلى 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، إلا أن هذا يعتبر حلاً مؤقتًا فقط، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار بعد هذا الإعلان.
توقف نحو خُمس شحنات الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما أدى إلى امتداد الصدمة لتشمل سلعًا أخرى، حيث شهد سعر الأسمدة، المصنّعة باستخدام الغاز الطبيعي، ارتفاعًا حادًا، مما يثير المخاوف من نقص الغذاء، كما ارتفع سعر الكبريت، وهو منتج ثانوي لتكرير النفط، مما سيؤثر بدوره على صهر النحاس، ويهدد نقص الهيليوم إنتاج رقائق الكمبيوتر، وقد حثّ صندوق النقد الدولي الحكومات على الاستعداد لما هو “غير متوقع”.
توقعات بارتفاع سعر النفط إلى 200 دولار للبرميل
تتوقع إيكونوميست أن يرتفع سعر النفط الخام إلى 150 أو حتى 200 دولار للبرميل إذا استمر إغلاق مضيق هرمز حتى نهاية الشهر، مما قد يؤدي إلى ركود عالمي وارتفاع حاد في التضخم، وهو ما يعيد إلى الأذهان ظاهرة “الركود التضخمي” التي شهدتها سبعينيات القرن الماضي، وحتى في سيناريو متوسط، حيث يمر بعض النفط عبر المضيق مع استمرار تعطل معظم حركة الشحن، ستكون الأضرار التي تلحق بالاقتصاد العالمي جسيمة.
الآثار الاقتصادية ستكون جسيمة ولكن غير متساوية، حيث تشير المجلة إلى أداء الأسواق المالية الأمريكية، الذي لا يوحي بكارثة اقتصادية وشيكة، فقد انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة متواضعة بلغت 1.5% في مارس، وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات، لكنه لم يتجاوز بعد أعلى مستوى له خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بينما في أوروبا، يبدو الوضع أسوأ قليلاً، حيث انخفضت الأسهم الأوروبية بنسبة 5-6% خلال الشهر، وفي آسيا، الوضع أكثر إثارة للقلق، إذ تراجعت الأسهم اليابانية بنسبة 7.3% والأسهم الكورية الجنوبية بأكثر من 10%.
بعض قطاعات اقتصاد أمريكا تستفيد من ارتفاع سعر النفط
يتوقع أن تعاني بعض المناطق أكثر من غيرها، حيث أصبحت الولايات المتحدة مُصدِّرة صافية للطاقة منذ عام 2019، بفضل طفرة التكسير الهيدروليكي، مما يعني أن بعض قطاعات اقتصادها تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، كما أن اقتصادها أقل اعتمادًا على النفط بكثير مما كان عليه في السابق.
مع ذلك، يشعر المستهلكون الأمريكيون بالفعل بتأثير ارتفاع أسعار البنزين، حيث تجعل معدلات الضرائب المنخفضة الأسعار حساسة للغاية لتقلبات سوق النفط، وتشير قاعدة عامة إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط تضيف حوالي 25 سنتًا إلى سعر غالون البنزين، وقد ارتفع متوسط أسعار البنزين في محطات الوقود بنحو 20% منذ بداية الحرب، وهو رقم سيرتفع أكثر كلما طالت الأزمة، وإذا قلل المستهلكون إنفاقهم على السلع الأخرى نتيجة لذلك، فسيتضرر الاقتصاد من انخفاض الطلب المحلي، حتى مع تحقيق شركات النفط أرباحًا طائلة.
أوروبا أكثر عرضة للصدمة التضخمية
في المقابل، تشير المجلة إلى أن أوروبا هي الأكثر عرضة لخطر الصدمة التضخمية، حيث تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي المسال لتقليل اعتمادها على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب، وقد توقعت وكالة الطاقة الدولية أنها ستحتاج إلى استيراد ربع الشحنات العالمية من هذا الغاز، مما يجعلها عرضة لارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال بشكل كبير.
لا ترجح إيكونوميست، في الوقت الراهن، تكرار صدمة الطاقة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حين تجاوزت أسعار الغاز لفترة وجيزة 300 يورو للميغاواط/ساعة، وارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى ما يزيد عن 11%، وشهد اقتصاد القارة ركودًا لأكثر من عام، لكنها تشير إلى أن ارتفاع أسعار الغاز سيساهم في زيادة التضخم، لا سيما في بريطانيا، حيث لا يزال الغاز يُغذي ما يقرب من 30% من توليد الطاقة.
أما بالنسبة لدول الخليج، فتقول إيكونوميست إنه من غير المرجح أن تصل إلى حافة الأزمة، نظرًا لما تمتلكه من احتياطيات ضخمة من عائدات النفط، لكنها قد تعاني من أعمق فترات الركود الاقتصادي، وأكبر صدمة جوهرية لنماذجها الاقتصادية، حيث هاجمت إيران حقول النفط ومصافي التكرير والموانئ والمطارات في أنحاء المنطقة، وهي البنية التحتية التي تقوم عليها ازدهارها.
لا يقتصر الضغط على قطاع النفط وحده، فقد أصبح الخليج أيضًا مُصدِّراً رئيسياً للمعادن والمواد الكيميائية، إلا أن الصراع يُجبر هذه المصانع على الإغلاق أيضًا، كما تضررت السياحة بشدة، حيث يساهم القطاع في البحرين والإمارات بأكثر من 12% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي.
تختتم إيكونوميست تقريرها بالإشارة إلى أن ترامب قد يعتقد أنه قادر على الحد من الأضرار الاقتصادية للحرب بالحد من القتال إذا ما أصيبت الأسواق بالذعر، لكن الضرر قد وقع بالفعل، وعلى عكس الحروب التجارية التي أشعلها، فهو لا يسيطر على جميع زمام الأمور، وكان متحدث باسم الحرس الثوري قد قال هذا الأسبوع: “نحن من سيحدد نهاية الحرب”

