تشير التطورات المتسارعة في أسواق الطاقة إلى أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أصبحت عامل ضغط مباشر على الاقتصاد الأميركي، حيث بدأت تداعياتها تؤثر بشكل ملحوظ على أسعار الوقود التي تعتبر من أكثر المؤشرات حساسية لدى المستهلكين والناخبين في الولايات المتحدة، مما يضع البيت الأبيض أمام تحديات جديدة في ظل الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

تشير الارتفاعات الأخيرة في أسعار البنزين إلى الترابط الوثيق بين التوترات الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية، إذ أن أي اضطراب في طرق إمدادات النفط، وخاصة في مناطق حيوية مثل مضيق هرمز، يؤدي إلى موجات ارتفاع سريعة في الأسعار داخل الولايات المتحدة، وهو ما يثير قلق المستهلكين.

في هذا السياق، يواجه البيت الأبيض تحدياً مزدوجاً يتمثل في إدارة تداعيات الصراع الخارجي من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار داخل الاقتصاد الأميركي من جهة أخرى، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وبقاء التضخم وتكلفة المعيشة في صدارة اهتمامات الناخبين.

في تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، تم تسليط الضوء على أن:

  • حرب دونالد ترامب في إيران أدت إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، مما زاد الضغط على الرئيس لتبرير صراع يهدد بضرب الأميركيين بصدمة تضخمية جديدة
  • ارتفعت أسعار البنزين إلى 3.58 دولار للغالون يوم الأربعاء، وفقًا لجمعية السيارات الأميركية (AAA)، بزيادة قدرها 20 بالمئة منذ بدء الحرب، وهي الآن أعلى من أي وقت مضى خلال فترتي ولايته
  • تجاوز عتبة 3.50 دولار يمنح الناخبين الذين يشعرون بالقلق بشأن القدرة على تحمل التكاليف مؤشراً آخر للتضخم، وهو أمر واضح على طول طرق البلاد

ينقل التقرير عن رئيس قسم الأبحاث في شركة ClearView Energy Partners، كيفن بوك، قوله: “يقوم الأميركيون بتعبئة خزانات سياراتهم 50 مرة في السنة، وهذا يعني 50 فرصة للندم على تصويتهم الأخير”

ارتفعت أسعار الوقود في محطات البنزين لمدة 11 يوماً متتالية، ويتوقع المحللون أن يستمر الارتفاع طالما بقي سعر النفط الخام مرتفعاً بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو نقطة اختناق لخُمس إمدادات النفط العالمية.

حاولت إدارة ترامب كبح جماح ارتفاع الأسعار منذ بدء الحرب، قائلة إنها ستؤمن ناقلات النفط التي تسافر عبر المضيق أو ستنشر مرافقة البحرية الأميركية لحمايتها من الهجوم.

ضربة لأهداف ترامب

في السياق، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:

  • ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة يوجه ضربة مباشرة للأهداف الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب، خاصة أن أحد أبرز وعود حملته الانتخابية كان توفير طاقة رخيصة للمستهلك الأميركي
  • أسعار البنزين ارتفعت بنحو 20 بالمئة منذ بداية الحرب، وهو ما ينعكس سريعاً على مزاج الناخب الأميركي، لأن الوقود يرتبط مباشرة بالقدرة الاستهلاكية للأسر وبمستويات التضخم
  • البنزين والنفط يؤثران على تكلفة التنقل ونقل البضائع وسلاسل التوريد، ما يؤدي إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى أسعار السلع والخدمات
  • العامل النفسي يلعب دوراً مهماً في الولايات المتحدة، لأن المستهلك يلمس ارتفاع الأسعار مباشرة عند تعبئة الوقود، بعكس بعض السلع التي تتأثر بالتضخم بشكل غير مباشر
  • لذلك فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يضعف سردية “الطاقة الرخيصة” التي وعد بها ترامب خلال حملته الانتخابية

ويضيف: إطالة أمد الأزمة تعني مزيداً من الضغوط على خطط الإدارة الاقتصادية، مما قد يمنح الحزب الديمقراطي فرصة لمهاجمة الإدارة الحالية عبر اتهامها بعدم التركيز على الملفات الداخلية والانشغال بالسياسات الخارجية، رغم الوعود الانتخابية بخفض تكاليف الطاقة

ويختم يرق بالقول إن استمرار ارتفاع أسعار البنزين قد يشكل عاملاً مؤثراً في المزاج الانتخابي الأميركي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، لأن ملف الطاقة وأسعار الوقود يبقى من أكثر القضايا حساسية لدى الناخبين في الولايات المتحدة.

اضطرابات قصيرة

لكن وبحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روغرز، في بيان:

  • “لقد أوضح الرئيس ترامب أن هذه اضطرابات قصيرة الأجل”
  • “في نهاية المطاف، بمجرد اكتمال الأهداف العسكرية وتحييد النظام الإيراني، ستنخفض أسعار النفط والغاز بسرعة مرة أخرى، وربما إلى مستويات أقل مما كانت عليه قبل بدء الضربات، ونتيجة لذلك، ستستفيد الأسر الأميركية بشكل كبير على المدى الطويل”

بلغت أسعار البنزين في الولايات المتحدة ذروتها التاريخية متجاوزةً 5 دولارات عقب الحرب في أوكرانيا عام 2022 خلال فترة رئاسة جو بايدن، لكنها انخفضت إلى حوالي 2.80 دولار عند انتهاء ولايته، ورغم الارتفاع الأخير، لا تزال أسعار البنزين في الولايات المتحدة تُعادل نصف أسعارها في العديد من الدول الأوروبية، بما فيها المملكة المتحدة.

توقعت وزارة الطاقة الأميركية هذا الأسبوع أن أسعار البنزين لن تعود إلى مستويات ما قبل النزاع قبل نهاية عام 2027، وقدّر المحللون في كابيتال إيكونوميكس أنه إذا بقي سعر النفط الخام عند مستواه الحالي، فإن التضخم الاستهلاكي سيرتفع إلى 2.9 بالمئة في مارس، ارتفاعاً من معدل سنوي قدره 2.4 في المئة في فبراير.

عامل مؤثر

من جانبه، يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم طارق الرفاعي، لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”:

  • أسعار البنزين في الولايات المتحدة تمثل عاملًا مؤثراً بشكل مباشر في حركة الاقتصاد، إذ تنعكس على تكاليف النقل والخدمات اللوجستية وكذلك على ميزانيات الأسر الأميركية
  • الارتفاعات المستمرة في أسعار الوقود قد تؤدي إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما قد يصعّب في الوقت نفسه جهود الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة
  • بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن أسعار البنزين عادة ما تتحرك بالتوازي مع أسعار النفط الخام العالمية وقدرات التكرير، لذلك فإن أي اضطرابات جيوسياسية أو قيود في المعروض النفطي تدفع الأسعار إلى الارتفاع، ما يخلق ضغوطًا تضخمية إضافية على الاقتصاد

ويشير إلى أن مدة استمرار هذه الضغوط تعتمد بدرجة كبيرة على أوضاع إمدادات النفط عالمياً، موضحًا أنه في حال تراجعت اضطرابات العرض واستقر إنتاج كبار المنتجين، فقد تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية خلال بضعة أشهر، أما في حال استمرار التوترات الجيوسياسية أو بقاء الإنتاج محدودًا، فمن المرجح أن تستمر أسعار البنزين المرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي قد يعقّد تحقيق أهداف السياسة الاقتصادية المرتبطة بدعم النمو والسيطرة على التضخم.

حرب إيران.. من يتحمل صراعا أطول؟