أحدثت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في مصر تحولًا كبيرًا في أسعار الوقود بعد قرارها الأخير برفع أسعار البنزين والسولار وغاز تموين السيارات وأسطوانات البوتاجاز، حيث جاءت الزيادة الأولى خلال 2026 لتتراوح بين 14% و17% بحسب نوع المنتج، مما يثير القلق في الأسواق المحلية ويؤثر على تكاليف النقل والسلع اليومية
.

مع هذه الخطوة، عاد ملف أسعار البنزين في مصر إلى صدارة الاهتمام، خاصة مع اتساع الفجوة بين الأسعار الحالية وتلك التي كانت سائدة عند بدء العمل بآلية التسعير التلقائي في يوليو/تموز 2019.

وبحسب الرصد الرسمي لمسار التسعير، بدأت مصر تطبيق آلية المراجعة الربع سنوية لأسعار بعض المنتجات البترولية في 5 يوليو/تموز 2019، عبر لجنة تضم ممثلين عن وزارات البترول والمالية والجهات المعنية، على أن تراجع اللجنة معادلة التسعير كل ثلاثة أشهر استنادًا إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها أسعار النفط العالمية، وتكلفة الاستيراد، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، وأعباء التداول والاستهلاك المحلي، وأكدت وزارة البترول في أكثر من مناسبة أن هذه الآلية جاءت ضمن مسار إصلاح هيكل تسعير المنتجات البترولية وتقليص التشوهات السعرية في السوق المحلية.

أسعار البنزين والسولار في مصر

حملت الزيادة الأخيرة دلالات اقتصادية وسياسية في آن واحد، وفق الأسعار الجديدة، ارتفع بنزين 80 إلى 20.75 جنيه للتر، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيه بينما صعد السولار إلى 20.50 جنيه للتر، وارتفع غاز تموين السيارات إلى 13 جنيهًا للمتر المكعب.

كما زادت أسطوانة البوتاجاز المنزلية 12.5 كغم إلى 275 جنيهًا، والتجارية 25 كغم إلى 550 جنيهًا، ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ اعتبارًا من صباح 10 مارس/آذار 2026.

وتربط الحكومة هذه الخطوة بظروف استثنائية تضغط على أسواق الطاقة، إذ أشار مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء إلى أن الحكومة فعّلت آلية متابعة يومية لتطورات أسواق الطاقة والتدفقات المالية، مع العمل على تأمين احتياجات الدولة من المنتجات البترولية بصورة مستمرة.

ونقلت وكالة رويترز أن الزيادة الجديدة جاءت في ظل اضطرابات إقليمية وارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، لتكون أول زيادة في أسعار الوقود بمصر خلال 2026، بعد زيادات سابقة في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

مسار الأسعار منذ تطبيق آلية التسعير التلقائي

منذ تأسيس اللجنة عمليًا بصيغتها الحالية، تبدو رحلة الأسعار كمسار صاعد شبه متصل، مع بعض محطات التثبيت أو الخفض المحدود، ففي 5 يوليو/تموز 2019، بلغ سعر بنزين 80 نحو 6.75 جنيه للتر، وبنزين 92 نحو 8 جنيهات، وبنزين 95 نحو 9 جنيهات، فيما استقر السولار عند 6.75 جنيه.

وبعد 3 أشهر فقط، خفضت اللجنة بعض الأسعار في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بمقدار 25 قرشا للبنزين، قبل أن تعود في 10 أبريل/نيسان 2020 لتخفض البنزين مرة أخرى في ظل الانهيار التاريخي لأسواق النفط إبان الجائحة، لكن تلك الفترة لم تدم طويلًا؛ إذ تحول المسار لاحقًا إلى صعود متدرج ثم متسارع مع تغيرات السوق العالمية والضغوط المحلية على تكلفة الاستيراد والطاقة.

خلال عامي 2021 و2022، عادت اللجنة إلى سياسة الزيادات المتتابعة، فانتقل بنزين 80 من مستوى 6.25 جنيه إلى 8 جنيهات بحلول يوليو/تموز 2022، وصعد بنزين 92 إلى 9.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 10.75 جنيه، بينما بدأ السولار يتحرك لأول مرة بشكل أوضح إلى 7.25 جنيه.

ومع اتساع الضغوط التضخمية عالميًا، تسارعت وتيرة التحريك في 2023 و2024، لتصل الأسعار في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2024 إلى 13.75 جنيه لبنزين 80، و15.25 جنيه لبنزين 92، و17 جنيهًا لبنزين 95، و13.50 جنيه للسولار، مع زيادات موازية في المازوت وغاز السيارات.

ثم جاءت مراجعتا 11 أبريل/نيسان 2025 و17 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لتضيفا موجة جديدة من الارتفاع، قبل أن تدفع زيادة 10 مارس/آذار 2026 الأسعار إلى أعلى مستوياتها التاريخية المعلنة حتى الآن.

مقارنة تاريخية للأسعار

ارتفع بنزين 80 من 6.75 جنيه في يوليو/تموز 2019 إلى 20.75 جنيه في مارس/آذار 2026، أي بزيادة تتجاوز 207%، بينما صعد بنزين 92 من 8 جنيهات إلى 22.25 جنيه بزيادة تقارب 178%، وارتفع بنزين 95 من 9 جنيهات إلى 24 جنيه بنحو 167%، في حين قفز السولار من 6.75 جنيه إلى 20.50 جنيه بما يزيد على 203%.

وبحسب خبراء الطاقة، فإن الفارق مهم لأن النقاش حول زيادة أسعار البنزين في مصر لا يتعلق فقط بنسبة الارتفاع، بل بطبيعة السياسة التي تتبعها الدولة في تسعير الطاقة.

فالحكومة، من خلال آلية التسعير التلقائي، تحاول الموازنة بين حماية الموازنة العامة وتقليل أعباء الدعم من جهة، واحتواء الأثر الاجتماعي والاقتصادي لارتفاع الوقود من جهة أخرى، غير أن كل جولة جديدة من التحريك تنعكس سريعًا على تكلفة النقل والخدمات والسلع، ما يفسر التحركات الفورية للمحافظات لإعادة ضبط تعريفة الركوب عقب كل زيادة.

وأشارت المصادر إلى أن مصر تواصل تنفيذ إصلاحات هيكلية مدعومة من صندوق النقد الدولي، تتضمن تقليص دعم الطاقة وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وهو ما يضع قرارات لجنة التسعير في قلب معادلة شديدة الحساسية بين ضرورات المالية العامة وكلفة المعيشة على المواطنين، ومع كل مراجعة ربع سنوية، تبدو اللجنة وكأنها لا تكتفي بتعديل سعر لتر البنزين، بل تعيد رسم خريطة كاملة للاقتصاد اليومي في مصر.

aXA6IDM3LjQ5LjIyOC4yMjkg جزيرة ام اند امز NL