في مطلع عام 2026، يشهد الذهب تحولًا غير مسبوق في تاريخه السعري، حيث تجاوز مستويات قياسية وأصبح محورًا لنقاشات عالمية حول مستقبل النظام النقدي، مما يثير تساؤلات حول تأثيره المباشر على الأسواق وحركة الأموال في ظل تآكل الثقة في العملات وتضخم الديون.
الأزمة الحالية تعكس تشابهًا مع الأزمات السابقة، ولكن الفاعلين هذه المرة مختلفون، حيث تزايد القلق من قدرة النظام المالي العالمي على الاستمرار كما هو، بينما يبدو أن حركة الذهب تعكس تحولات عميقة في الرهانات الاقتصادية.
تحرر الذهب من الدولار وصدمة نيسكون
بدأت قصة الذهب الحديثة في أغسطس 1971 عندما أعلنت الولايات المتحدة فك ارتباط الدولار بالذهب، منهيةً نظام «بريتون وودز» الذي استمر لعقود، ورغم أن هذا القرار حرّر المعدن النفيس من قيود قانونية، إلا أن تأثيره السعري لم يظهر فورًا، حيث ظل الذهب يتحرك في نطاقات متقلبة حتى شهد موجة صعود حادة في يناير 1980.
هذا «الانفجار المتأخر» يعود إلى عدة عوامل، فحتى بعد فك الارتباط، كان امتلاك الذهب لأغراض استثمارية محظورًا على المواطنين الأميركيين حتى نهاية 1974، مما حرم السوق من قاعدة استثمارية واسعة خلال السنوات الأولى بعد القرار، ومع رفع هذا الحظر تدريجيًا بدءًا من 1975، بدأ الطلب الحقيقي على الذهب يتزايد.
في الوقت نفسه، لم يكن التضخم قد بلغ ذروته، لكن صدمة النفط عام 1973 غيّرت المعادلة، حيث أدت أزمة الطاقة إلى قفزات حادة في الأسعار، مما دفع المستثمرين للتوجه نحو الذهب كمخزن للقيمة، وليس مجرد بديل نقدي.
رغم ذلك، حاول الاحتياطي الفيدرالي الأميركي احتواء الأزمة عبر سياسات نقدية تهدف للحفاظ على الثقة بالدولار، بينما كانت العجوزات المالية تتفاقم بفعل تداعيات حرب فيتنام، مما جعل الأسواق بحاجة لسنوات لتفهم أن فك الارتباط لم يكن إجراءً مؤقتًا بل تحولًا هيكليًا.
بلغت هذه التراكمات ذروتها بين عامي 1979 و1980 مع سلسلة من الصدمات الجيوسياسية الكبرى، مثل الثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان، مما أدى إلى انفجار الطلب على الذهب خلال فترة قصيرة، ودفعه إلى قمته التاريخية آنذاك.
وانتهت تلك الدورة بإجراءات نقدية قاسية، حيث رفع رئيس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، مما أعاد الجاذبية للدولار ودفع الذهب إلى فترة استقرار طويلة استمرت قرابة عقدين.
الدرس الذي كرّسته تلك المرحلة ظل ثابتًا عبر الزمن، حيث يزدهر الذهب عندما تنهار الثقة في النظام النقدي القائم، ويتراجع عندما تكون العوائد النقدية مرتفعة بما يكفي لامتصاص السيولة من الأسواق.
أزمة 2008.. الذهب كملاذ أخير لا كخيارٍ أول
تكرر المشهد بصورة مختلفة خلال الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008 و2011، فعلى عكس الاعتقاد الشائع، لم يكن الذهب أول المستفيدين من انهيار بنك «ليمان براذرز»، بل تحول في ذروة الذعر المالي إلى أحد مصادر السيولة السريعة، حيث اندفع المستثمرون نحو بيع كل ما يمكن تسييله لتغطية الخسائر.
ويظهر المسار الزمني للأسعار أن الذهب الذي لامس مستوى 1000 دولار للأونصة في مارس 2008، تراجع بصورة حادة بعد انهيار «ليمان» في أكتوبر من نفس العام، مسجلاً هبوطًا بنحو 30% إلى نطاق 700–720 دولارًا.
كانت تلك اللحظة من أكثر المفارقات دلالة في تاريخ المعدن النفيس، إذ انخفض في ذروة الأزمة بدلاً من أن يرتفع، مما أكد أنه يُباع أولاً عندما تصبح الحاجة إلى النقدية أولوية مطلقة.
لكن الأمور بدأت تتغير مع تدخل الاحتياطي الفيدرالي وإطلاق أولى جولات التيسير الكمي في نوفمبر 2008، حيث استعاد الذهب جاذبيته تدريجيًا ودخل موجة صعود طويلة توّجها بتسجيل قمة تاريخية قرب 1920 دولارًا للأونصة في أغسطس 2011، وسط مخاوف من تفكك منطقة اليورو وخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة.
لكن هذه القمة لم تصمد طويلاً، فمع تحسن أداء الأسهم العالمية وبدء الحديث عن سحب تدريجي للسيولة، تعرّض الذهب في أبريل 2013 لانهيار حاد، مسجلاً أكبر خسارة يومية له منذ أكثر من ثلاثة عقود، قبل أن يُنهي العام عند مستويات قريبة من 1200 دولار، بخسارة سنوية بلغت نحو 28%، إيذاناً بانتهاء دورة صعود استمرت خمس سنوات.
أكدت تلك المرحلة أن الذهب، رغم مكانته كملاذ آمن، ليس محصنًا من التقلبات الدورية، وأن دوره الحقيقي يظهر بعد انقشاع الذعر الأولي، لا في لحظة الانفجار المالي ذاتها.
لماذا تبدو دورة 2026 مختلفة؟
ما يميز حركة الذهب في 2026 أنها لا تعكس نمطًا واحدًا من أزمات الماضي، بل تمثل مزيجًا نادرًا بين تضخم السبعينيات وعدم الاستقرار المالي الذي طبع أزمة 2008، مع إضافة عامل جديد أكثر عمقًا وتأثيرًا، وهو تسييس الدولار وتصاعد الصراع الجيوسياسي.
فالعالم اليوم لا يواجه ضغوطًا تضخمية ومخاطر ركود فحسب، بل يشهد أيضًا إعادة تقييم جذرية لدور العملة الأميركية كنقطة ارتكاز للنظام النقدي العالمي.
ورغم هذا التحول الهيكلي، لا يخلو المشهد الحالي من سلوكيات قصيرة الأجل تُذكّر بأزمة 2008، ففي يناير 2026، ومع موجات الهبوط الحاد في أسهم التكنولوجيا والعملات الرقمية، شهدت الأسواق عمليات بيع اضطرارية، مما اضطر بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم الرابحة في الذهب لتغطية خسائرهم في أصول أخرى.
هذا السلوك يعيد التأكيد على درس تاريخي واضح، وهو أن الذهب هو الملاذ الأخير، لكنه غالبًا أول ما يُباع عند الحاجة الملحّة للنقد.
وقد انعكس هذا التحول بوضوح على الأسعار، بعدما سجّل الذهب في يناير 2026 قممًا تاريخية تجاوزت 5 آلاف دولار للأونصة، مع تسجيل مستويات اقتربت من 5600 دولار في ذروة الزخم، محققًا أقوى موجة صعود منذ أواخر السبعينيات، ومؤكدًا انتقاله من مجرد سلعة استثمارية إلى ما يشبه نظامًا نقديًا موازياً.
إلى أين يتجه الذهب في 2026؟
تجمع المؤسسات المالية الكبرى على أن مسار الذهب في 2026 لن يكون خطيًا، فالتاريخ يشير إلى أن تسجيل قمم غير مسبوقة غالبًا يعقبه تصحيح حاد يتراوح بين 10% و15%، في ما يُعرف بـ«تنفّس السوق»، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية الاتجاه الصاعد.
أما إذا عاد التضخم للارتفاع واضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد السياسة النقدية مجددًا، فقد يواجه الذهب تصحيحًا أعمق يعيده إلى نطاق 4 آلاف دولار، في تكرارٍ جزئي لسيناريو فولكر.
لكن، وعلى عكس الدورات السابقة، يرى محللون في بنوك مثل «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا» أن الذهب بات يمتلك أرضية سعرية أعلى بكثير مما كانت عليه قبل 2024، بفعل الطلب السيادي المستمر، مما يجعل العودة إلى مستويات ما دون 2500 دولار احتمالًا ضعيفًا على المدى القريب.
الذهب بين المخاطر والفرص
تاريخيًا، بلغت موجات صعود الذهب ذروتها عندما تلاقت الأزمات النقدية مع قرارات سياسية أعادت التوازن للنظام المالي، ولو بثمنٍ مرتفع، ولكن في 2026، فيبدو المشهد أكثر تعقيداً إذ نشهد أن النظام النقدي العالمي يعاد تشكيله، مع تضخم الديون السيادية وتآكل الثقة في قواعد سادت لعقود.
في هذه البيئة، لا يُنظر إلى الذهب كأداة ربح سريع بقدر ما يُنظر إليه كتأمين ضد انهيار نموذج قديم، وبينما قد تكون المرحلة الحالية الأكثر ربحية، فإنها أيضًا الأكثر خطورة، مما يجعل فهم التاريخ شرطًا أساسيًا لقراءة ما قد يحمله المستقبل.

