تتجه الأنظار نحو قمة “مبادرة مستقبل الاستثمار” في ميامي، حيث تبرز الرؤية السعودية كقوة دافعة في التحولات الاقتصادية العالمية، إذ تواصل المملكة تأكيد قدرتها على مواجهة الأزمات الاقتصادية بمرونة عالية، مما يثير اهتمام المستثمرين والأسواق العالمية.
خلال القمة، حذر وزير المالية محمد الجدعان من تداعيات جيوسياسية قد تتجاوز آثار جائحة “كوفيد-19″، مشدداً على أن الاقتصاد السعودي يمتلك القدرة على إدارة الأزمات بفضل استراتيجيات قوية، بينما عرض محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان ملامح استراتيجية خماسية جديدة تهدف إلى تعزيز النمو وجذب رؤوس الأموال العالمية، مما يعكس تحول الاقتصاد السعودي من التركيز على الداخل إلى كونه منصة عالمية.
تجمع القمة أكثر من 1500 مشارك من مختلف أنحاء العالم، حيث تمثل منصة لإعادة رسم خريطة تدفقات رأس المال وتعزيز فرص النمو المستدام، وتأتي في وقت يشهد فيه العالم إعادة توزيع لرأس المال، مما يجعل النقاشات حول التحولات الاقتصادية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الجدعان
حذر الجدعان خلال جلسة حوارية من أن التوترات الجيوسياسية قد تؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية تفوق جائحة “كوفيد-19″، وأكد أن استمرار النزاعات واضطراب سلاسل الإمداد يتطلب تحركاً دولياً سريعاً لاحتواء الموقف، مشيراً إلى أن الأنشطة الاقتصادية اليومية لا تزال مستمرة رغم وجود تأثيرات محتملة تستدعي الحذر، كما لفت إلى أن الأسواق العالمية استوعبت جزءاً من هذه التوترات، لكن استمرارها يهدد قطاعات حيوية تتجاوز النفط الخام لتشمل المنتجات المكررة والأسمدة والصلب والألومنيوم والبتروكيميائيات.
استثمار الخمسين عاماً يحمي الحاضر
وفي سياق استراتيجية المملكة لإدارة الأزمات وتأمين الطاقة، سلط الجدعان الضوء على الرؤية الاستباقية للمملكة، مشيراً إلى أن “خط أنابيب شرق – غرب” الذي استثمرت فيه السعودية مبالغ هائلة على مدار 50 عاماً دون عائد مباشر آنذاك، أثبت اليوم فاعليته كبديل استراتيجي ومسار آمن، وأكد أن هذا الخط يُستخدم حالياً بكفاءة عالية لإدارة الإمدادات النفطية العالمية والحد من تداعيات أزمة الطاقة الحالية، مما يجسد دور المملكة كصمام أمان لإمدادات الطاقة الدولية.
كما أكد الجدعان أن الاقتصاد السعودي أثبت قدرته على إدارة الأزمات بكفاءة عالية، بفضل المصدات المالية القوية والمرونة الهيكلية التي وفرتها “رؤية 2030″، ما يجعله نموذجاً لليقين في ظل بيئة عالمية مضطربة.

نموذج «اليقين» والمرونة
وشدد الجدعان على أن المستثمرين يركزون في الظروف الراهنة على ثلاثة عناصر رئيسية: “اليقين والمرونة وآفاق النمو”، مؤكداً أن السعودية تقدم نموذجاً فريداً بفضل استقرارها المالي وقدرتها المثبتة على إدارة الأزمات، وأشار إلى أن المرونة الاقتصادية لم تعد مجرد خيار بل أصبحت “نهجاً استراتيجياً” مدمجاً في السياسات السعودية، مدعوماً بالاستثمار في رأس المال البشري والتقنيات الحديثة، مما مكّن المملكة من الحفاظ على معدلات نمو إيجابية رغم التقلبات العالمية
التحول الخليجي: قوة اقتصادية متكاملة
وعلى الصعيد الإقليمي، أشاد الجدعان بالتحول النوعي في مستوى التنسيق والمرونة الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي، مبيناً أنها أظهرت قدرة فائقة على التكيف ككتلة اقتصادية موحدة، وأضاف أن هذه المرحلة أسهمت في بناء قدرات جديدة جعلت الفرص الاستثمارية في المنطقة أكثر جاذبية ووضوحاً، ولا سيما في القطاعات اللوجستية والدفاع والعقار والتكنولوجيا.
وأكد أن استقرار الاقتصاد العالمي مرهون باستقرار المنطقة وتأمين سلاسل التوريد للصناعات الأساسية، داعياً المجتمع الدولي إلى العمل المشترك، ومؤكداً أن الاقتصادات التي تتبنى سياسات استباقية وتستثمر في الإنسان والتكنولوجيا ستكون الأكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام في بيئة عالمية متغيرة.
متانة الاقتصاد السعودي
من جهته، أكد محافظ “صندوق الاستثمارات العامة” ياسر الرميان أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية، في وقت يعمل فيه الصندوق على تطوير استراتيجية جديدة تستهدف توسيع قاعدة الشراكات وجذب رؤوس الأموال العالمية، وأشار الرميان إلى أن الصندوق يتمتع بمحفظة استثمارية “متنوعة ومرنة هيكلياً”، حيث يقوم نهجه الاستثماري على رؤية طويلة الأجل، حيث “لا تُقاس العوائد على أساس فصلي بل على مدى عقود”.
وأضاف أن الصندوق مرّ بعدة مراحل تحول منذ تأسيسه، حيث كان في بداياته يقوم بدور “بناء الاقتصاد الوطني”، قبل أن ينتقل منذ عام 2015 إلى تسريع تطوير قطاعات متعددة داخل المملكة، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي تركز على تعزيز الاستثمار المحلي وتوسيع نطاق التأثير الاقتصادي.

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في الاستراتيجية، مع التوجه إلى إشراك المستثمرين المحليين والدوليين بشكل أكبر، بعد أن كان الصندوق يعتمد في السابق بشكل رئيسي على الاستثمار المباشر، وكشف عن قرب الإعلان عن استراتيجية جديدة تمتد لخمس سنوات، تهدف إلى جذب رؤوس الأموال من أطراف ثالثة وتعزيز الشراكات الاستثمارية.
وأشار الرميان إلى أن الصندوق بدأ بالفعل في تحقيق نتائج ملموسة في هذا الاتجاه، من خلال التعاون مع مؤسسات مالية عالمية، مثل “بلاك روك” و”فرانكلين تمبلتون”، لإطلاق صناديق استثمارية مشتركة، ولقد لفت إلى أن التحدي الأكبر في السنوات الماضية كان يتمثل في التعريف بالصندوق عالمياً، حيث قال: “عندما زرت الولايات المتحدة في 2015، لم يكن كثيرون يعرفون من هو صندوق الاستثمارات العامة، أما اليوم فنحن في مرحلة ندعو فيها العالم للاستثمار في السعودية”
وأكد أن المملكة عملت خلال العقد الماضي على بناء بيئة استثمارية متكاملة، تشمل تطوير البنية التحتية وتهيئة الأطر التنظيمية، بما يعزز جاذبيتها للمستثمرين في قطاعات متعددة، من بينها التطوير العمراني ومراكز البيانات والصناعات الدوائية والطاقة المتجددة.
وفي ما يتعلق بالمشروعات الكبرى، أشار إلى أن الصندوق يتبنى نماذج شراكة متنوعة لا تقتصر على الاستثمار المباشر، بل تشمل صيغاً مثل الشراكات التشغيلية ونماذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، إلى جانب اتفاقيات شراء الإنتاج، بما يتيح مشاركة أوسع للقطاع الخاص.
دور الذكاء الاصطناعي
وتطرق الرميان إلى دور الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه يمثل “أداة” لتعزيز الكفاءة وليس هدفاً بحد ذاته، مشيراً إلى أن المملكة تمتلك مقومات قوية للاستفادة من هذه التقنية، تشمل توفر الطاقة والبنية التحتية والبيئة التنظيمية الداعمة، وأوضح أن الصندوق يعمل مع شركات تقنية عالمية، مثل “مايكروسوفت” و”أوراكل”، لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن بعض الشركات في المملكة نجحت في خفض التكاليف بنحو 20 في المئة وتحسين كفاءة التنفيذ بنسبة 13 في المئة عبر استخدام هذه التقنيات.
وأكد الرميان على أهمية قمة “مبادرة مستقبل الاستثمار” كمنصة عالمية لا تقتصر على تبادل المعرفة، بل تسهم في بناء علاقات وشراكات استراتيجية، مشدداً على أن “التواصل وبناء الشبكات” يمثلان عنصراً أساسياً لتحقيق الأهداف الاستثمارية في المرحلة المقبلة.
أتياس
أكد الرئيس التنفيذي بالإنابة وعضو مجلس إدارة مؤسسة “مبادرة مستقبل الاستثمار” ريتشارد أتياس أن قمة مبادرة مستقبل الاستثمار في ميامي تمثل منصة عالمية لفهم تحولات الاقتصاد الدولي، في ظل تسارع حركة رأس المال والتكنولوجيا عبر الحدود، مشدداً على أن دور المؤسسة يتجاوز النقاش إلى التأثير العملي في مسارات الاستثمار.
وقال أتياس، في لقاء إعلامي، إن القمة استهلت أعمالها بجلسة خاصة حول “النظام الجديد لأميركا اللاتينية”، استجابة لاهتمام متزايد بدور المنطقة، لافتاً إلى أن ميامي باتت “نقطة التقاء استراتيجية بين شمال وجنوب القارة الأميركية”، ومركزاً لإعادة توجيه الاستثمارات، وأضاف أن الجلسات شهدت مشاركة قادة أعمال ومسؤولين سياسيين، إلى جانب اجتماعات مغلقة بين المستثمرين.

جدول أعمال القمة
وتناقش جلسات القمة قضايا الاستثمار العالمي والعلاقات الاقتصادية، بما في ذلك: “كيف تؤدي الشراكة الاستثمارية بين الولايات المتحدة والخليج تحت الضغط؟” و”ما شكل الهيكل الجديد للاتفاقات بين الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية؟”، في إطار بحث إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية
وفي سياق التحولات التكنولوجية، تركز القمة على دور الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، عبر جلسات مثل: “أين عائد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟” و”التقارب الكبير: بناء البنية التحتية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي”، إضافة إلى نقاشات حول: “هل تقود الحكومات أم تتبع في سباق الذكاء الاصطناعي؟”
كما تشمل الأجندة موضوعات الطاقة والموارد، من خلال جلسات مثل: “كيف ستعيد صفقات الطاقة تشكيل القوة والربحية؟” و”سباق المعادن الحيوية”، إلى جانب قطاعات الطيران والسياحة، عبر جلسات مثل: “هل تحدد المحاسبة تنافسية قطاع الطيران؟” و”أين تتجه الاستثمارات الذكية في البنية التحتية للسفر؟”
كما تتناول جلسات أخرى قضايا أوسع، مثل: “التوقعات الاقتصادية العالمية” و”كيف تتدفق القوة ورأس المال؟” و”كيف يمكن حل أزمة التخارج البالغة 3 تريليونات دولار؟” إضافة إلى جلسات مغلقة لصنَّاع القرار لتحديد أولويات الاستثمار

