تراجع زوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري إلى 52.37 جنيه بنهاية تعاملات الاثنين، مما يعكس استقرارًا نسبيًا بعد تقلبات الأسبوع الماضي، ورغم ذلك، لا يزال الجنيه يعاني من انخفاض بنحو 11.6% خلال الشهر الماضي، على الرغم من عودة جزئية للتدفقات الأجنبية إلى سوق الدين المحلي، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العملة الوطنية وتأثير ذلك على الأسواق المالية.
افتتح زوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري تعاملات الأسبوع الجديد في البنوك المصرية بنبرة أكثر هدوءًا مقارنة بالتقلبات الحادة التي شهدها الأسبوع الماضي، وبنهاية تعاملات اليوم، استقر الدولار قرب 52.37 جنيه وفق بيانات السوق، بانخفاض طفيف بنحو 0.29% عن الجلسة السابقة، وبحسب بيانات البنك المركزي المصري، بلغ متوسط السعر الرسمي نحو 52.31 جنيه للشراء و52.45 جنيه للبيع، وفي البنوك الكبرى مثل البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، استقرت الأسعار قرب 52.48 جنيه للشراء و52.58 جنيه للبيع، بينما سجلت بعض البنوك مثل مصرف أبوظبي الإسلامي مستويات أعلى قليلًا قرب 52.62 جنيه للبيع، ويعكس هذا التقارب في الأسعار بين البنوك حالة من التوازن النسبي بين العرض والطلب مع بداية الأسبوع، بعد أن اقترب الدولار خلال الأسبوع الماضي من أعلى مستوى تاريخي سجله قرب 53 أمام الجنيه خلال تقلبات الأسبوع الماضي.
الجنيه يلتقط الأنفاس بعد موجة تقلبات
كان الأسبوع الماضي من أكثر الأسابيع تقلبًا في سوق الصرف المصرية منذ تطبيق نظام سعر الصرف المرن في مارس 2024، فخلال الأيام الماضية، تعرض الجنيه لضغوط قوية دفعته إلى خسارة أكثر من 11.6% من قيمته خلال شهر واحد، مع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين المحلية، لكن بداية الأسبوع الجديد حملت بعض الإشارات الأكثر هدوءًا، إذ شهدت السوق استقرارًا نسبيًا في الأسعار يوم الأحد – أولى جلسات الأسبوع في مصر – قبل أن تستمر هذه الحالة من التوازن خلال تعاملات الاثنين، ويأتي هذا الاستقرار على الرغم من بقاء الدولار فوق مستوى 52 جنيهًا في معظم البنوك، وهو مستوى أصبح يمثل نقطة توازن جديدة في السوق بعد موجة التقلبات الأخيرة.
الأموال الساخنة.. العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الجنيه
يربط كثير من المحللين التحركات الأخيرة في سعر الصرف بمجموعة من العوامل الأساسية التي أعادت تشكيل سوق العملات في مصر خلال الأسابيع الماضية، أحد أبرز هذه العوامل كان التخارج الجزئي للاستثمارات الأجنبية من سوق الدين المحلي، وهي التدفقات المعروفة باسم “الأموال الساخنة”، فمع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ المستثمرون الأجانب في تقليص تعرضهم للأصول عالية المخاطر في الأسواق الناشئة، وهو ما أدى إلى خروج نحو 6.7 مليار دولار من أدوات الدين المصرية منذ 19 فبراير، وفق تقديرات السوق، لكن البيانات الأخيرة تشير إلى عودة جزئية لهذه التدفقات، فقد سجل المستثمرون العرب والأجانب صافي شراء بنحو 1.03 مليار دولار في السوق الثانوية لأدوات الدين الحكومية يوم الخميس الماضي، في خطوة أنهت مؤقتًا موجة التخارجات الكبيرة التي شهدتها السوق خلال الأسابيع السابقة، كما أظهرت بيانات لاحقة أن المستثمرين الأجانب واصلوا تحقيق صافي شراء خلال جلسة الأحد، وإن كانت بقيمة أقل بلغت نحو 412 مليون جنيه (حوالي 7.8 مليون دولار)، ما يشير إلى بداية عودة تدريجية لبعض التدفقات إلى السوق، ويرى بعض المحللين أن هذه العودة الجزئية تعكس تحسنًا نسبيًا في شهية المستثمرين للمخاطر مع ظهور آمال بإمكانية تهدئة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، لكن في الوقت نفسه، لا تزال هذه التدفقات شديدة الحساسية لتطورات الحرب في الشرق الأوسط، إذ إن الأموال الساخنة تدخل إلى مصر بالدولار وتخرج به، ما يجعل أي موجة تخارج مفاجئة قادرة على الضغط سريعًا على سوق الصرف، ولهذا السبب، يبقى مسار هذه التدفقات أحد أهم العوامل التي يراقبها المتداولون في سوق الدولار مقابل الجنيه، إذ يمكن أن تؤدي عودة الاستثمارات الأجنبية إلى تهدئة تقلبات العملة مؤقتًا، في حين أن أي موجة خروج جديدة قد تعيد الضغط سريعًا على الجنيه المصري.
الحرب وأسعار النفط تضيفان طبقة جديدة من الضغوط
لا تزال التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط تلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل توقعات المستثمرين تجاه العملات في الأسواق الناشئة، فالحرب الدائرة في المنطقة أثارت مخاوف واسعة بشأن إمدادات النفط العالمية، خصوصًا عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع أسعار الطاقة إلى مستويات مرتفعة خلال الأسابيع الماضية، وبالفعل، ارتفعت أسعار النفط بقوة منذ بداية الشهر مع تصاعد الهجمات على منشآت الطاقة والنقل في الشرق الأوسط، إذ قفز خام برنت في وقت سابق إلى نحو 119.5 دولارًا للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، قبل أن يتراجع لاحقًا ليتداول قرب 100 دولار للبرميل خلال تعاملات الاثنين، وفي محاولة لتهدئة الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن خطة للإفراج عن أكثر من 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية من عدة دول خلال الأشهر المقبلة، في عملية تعد الأكبر من نوعها لمواجهة صدمة الإمدادات، بالنسبة لمصر، يمثل هذا التطور تحديًا إضافيًا، إذ تعتمد البلاد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة والوقود، فبحسب بيانات رسمية، تشكل واردات الوقود نحو 52% من إجمالي الواردات بقيمة تقارب 21 مليار دولار سنويًا، بينما ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال بأكثر من 300% خلال السنوات الأخيرة مع زيادة الطلب المحلي على الطاقة، اقتصاديًا، يخلق هذا التطور حلقة ضغط مزدوجة على العملة المحلية: فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا يزيد الطلب على الدولار لتمويل الواردات، في حين يؤدي رفع أسعار الوقود محليًا إلى زيادة الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد، وهو ما قد يؤثر بدوره على توقعات السياسة النقدية ومسار الفائدة، ويرى محللون أن استمرار التوترات في أسواق الطاقة قد يبقي العملات في الأسواق الناشئة تحت ضغط، حتى لو شهدت الأسواق فترات قصيرة من الاستقرار، وفي حالة الجنيه المصري، فإن أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط أو تعطل طويل لإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي على الدولار وارتفاع تكلفة الواردات، وهو ما قد يدفع زوج الدولار/الجنيه المصري إلى اختبار مستويات مرتفعة مجددًا إذا استمرت هذه الضغوط خلال الأسابيع المقبلة
الدولار يتراجع قليلاً مع تحسن شهية المخاطرة
على المستوى العالمي، تراجع الدولار بشكل طفيف خلال تعاملات الاثنين مع تحسن شهية المخاطرة في الأسواق العالمية وارتفاع الأسهم، فقد سجل مؤشر الدولار الأمريكي نحو 99.72 نقطة في وقت نشر هذا التقرير، منخفضًا بنحو 0.64% خلال الجلسة، بعد أن تراجع الطلب على السيولة الدولارية مع صعود أسواق الأسهم وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وجاء هذا التراجع في وقت أظهرت فيه البيانات الاقتصادية الأمريكية صورة مختلطة، فقد انخفض مؤشر إمباير للتصنيع في فبراير إلى -0.2، وهو مستوى أضعف من توقعات الأسواق، في حين ارتفع الإنتاج في قطاع التصنيع بنسبة 0.2% على أساس شهري متجاوزًا التوقعات، كما ارتفع مؤشر سوق الإسكان الأمريكي إلى 38 نقطة في مارس، وهو مستوى أعلى من تقديرات السوق، وتزامن ضعف الدولار أيضًا مع انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ما قلص الفارق في العوائد بين الدولار والعملات الرئيسية الأخرى، ورغم هذا التراجع الطفيف، لا يزال الدولار يتحرك قرب مستويات مرتفعة نسبيًا خلال الأشهر الأخيرة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

وبالنسبة للأسواق الناشئة، فإن تحركات الدولار تظل عاملًا مهمًا في تحديد اتجاه العملات المحلية، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية عادة إلى زيادة الضغوط على العملات الأخرى، ومن بينها الجنيه المصري.
إلى أين قد يتجه الدولار مقابل الجنيه؟
يرى عدد من المحللين أن حركة سعر الصرف في مصر خلال الفترة المقبلة ستعتمد على أربعة عوامل رئيسية، وهي تدفقات الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين المحلية، وتطورات الحرب في الشرق الأوسط – وبالتبعية أسعار النفط – وأداء الدولار عالميًا، إضافة إلى الطلب المحلي على الدولار لتمويل الواردات، ويرى بعض الخبراء أن اقتراب الدولار من ملامسة مستوى 53 جنيهًا الأسبوع الماضي دفع بعض المستثمرين إلى اعتبار هذه المستويات نقطة دخول جذابة، وهو ما ساهم في حدوث تراجع محدود لاحقًا، وفي حال ظهور إشارات تهدئة في التوترات الجيوسياسية أو عودة التدفقات الأجنبية بقوة، فقد يحصل الجنيه على بعض الدعم، لكن في المقابل، فإن أي تصعيد جديد في المنطقة أو ارتفاع إضافي في أسعار الطاقة قد يعيد الضغط سريعًا على سوق الصرف في مصر.
التحليل الفني لزوج الدولار الأمريكي/الجنيه المصري
من الناحية الفنية، لا يزال الاتجاه العام لزوج الدولار/الجنيه المصري يميل إلى الصعود رغم الاستقرار النسبي في بداية الأسبوع، ويعد مستوى 52 جنيهًا الآن منطقة دعم رئيسية بعد أن نجح الزوج في البقاء فوقها خلال معظم تداولات الأسبوع الماضي، أما على الجانب الصاعد، فيراقب المتداولون منطقة 52.80-53.00 جنيه باعتبارها المقاومة النفسية الأهم في السوق، واختراق هذه المنطقة قد يدفع بالدولار إلى قمم سعرية جديدة إذا استمرت الضغوط الأساسية على الجنيه، لكن في حال استمرار الاستقرار الحالي أو عودة التدفقات الأجنبية بشكل أقوى، فقد يتحرك الزوج داخل نطاق جانبي بين 52 و53 جنيهًا خلال الفترة المقبلة.

